بل ينتقل من نوع إِلى نوع ومن شخص إِلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر، وكثيراً ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأَظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وأَلم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأَمرين ويؤثر أَرجحهما وأَنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة كما له النعمة السابغة.
والمقصود أَن إِله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإِله الحق الذي كل ما سواه باطل، والذي أَينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إِليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأَعظم من كل حاجة، ولهذا قال إِمام الحنفاء: {لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ} [الأنعام: 76] والله أعلم.
(فائدة)
تأمل كَيفَ سَاق الآية فِي الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لَا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الْفرق.
فَقَوله {لَا يسْأَل عَمَّا يفعل} إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية.
وَقَوله {وهم يسْأَلُون} فِي صَلَاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للإلهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة.
فَكيف يسوى بَينهَا وَبَينه مَعَ أعظم الْفرْقَان؟!!
فَهَذَا الَّذِي سيق لَهُ الْكَلَام فَجَعلهَا الجبرية ملْجأ ومعقلا فِي إِنْكَار حكمته وتعليل أَفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة.
وَالله الْمُوفق للصَّوَاب.
[فَصْلٌ: الْحُبُّ أَصْلُ الْحَرَكَةِ]
وَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ فَأَصْلُهَا الْمَحَبَّةُ، فَهِيَ عَلَيْهَا الْفَاعِلِيَّةُ وَالْغَائِيَّةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَكَاتِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ إِرَادِيَّةٌ، وَحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وَحَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ.