روى أبو نعيم عن عكرمة قال: قال جبريل عليه السلام: إن ربي عز وجل ليبعثني إلى شيء لأمضيه فأجد الكَونَ قد سبقني إليه.
أراد بالكون المشار إليه بقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) } [سورة يس: 82] .
فإن قلت: إذا كان الكون سبق جبريل إلى ذلك الشيء، فما الحكمة في إرسال جبريل إليه؟
قلت: الحكمة فيه حصول جبريل عليه السلام على ثواب الطاعة، وإظهار عجائب القدرة الإلهية له ليسبح الله تعالى ويمجده، ويعترف له بالقدر.
135 -ومنها: استدلال النفوس في طاعة الله، وعدم الاستكبار والاستنكاف عنها:
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) } [سورة الأعراف: 206] .
وقال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [سورة النساء: 172] .
وقال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) } [سورة الأنبياء: 20] .
وروي أن أُويس القَرني رحمه الله تعالى قال: والله لأعبدن الله عبادة الملائكة، وكان ليلة يَقْطَعُها قائماً، وليلة يقطعها ساجداً.
وفي ذلك إشارة إلى أن أولياء الله من بني آدم تَرَبَأُ هممُهم إلى التشبه بالملائكة، والاقتداء بهم، والتساوي معهم في الطَّاعات.
136 -ومنها: التبري من الحول والقوة في الطَّاعة وغيرها، والاعتراف بالعجز عن القيام بحق الله تعالى وعدم الإعجاب بالطَّاعة، والنظر إليها:
روى الإمام عبد الله بن المبارك في"الزهد"عن سفيان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن أبي عيسى شيخ قديم قال: إن ملكاً لما استوى الرب تبارك وتعالى على كرسيه سجد، فلم يرفع رأسه ولا يرفعه حتى تقوم الساعة، فيقول يوم القيامة: رب لم أعبدك حق عبادتك إلا أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من دونك ولياً.
وروى أبو نعيم عن صفوان بن سليم قال: ما نهض ملك من الأرض حتَى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وأخرجه الديلمي من طريقه - مرفوعا - بسند ظريف تقدم.