وروى ابن منده في"الصَّحابة"عن جرير رضي الله تعالى عنه قال: خرجت إلى فارس فقلت: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فسمعني رجل فقال: ما هذا الكلام الذي لم أسمعه من أحد منذ سمعته من السماء؟ فقلت: ما أنت وخبر السماء؟ قال: إني كنت مع كسرى فأرسلني في بعض أموره، فخرجت ثم قدمت، فإذا شيطان خلفني في أهلي على
صورتي، فبدا لي، فقال: شارطني على أن يكون لي يوم ولك يوم وإلا أهلكتك، فرضيت بذلك، فصار جليسي يحادثني وأحادثه، فقال لي ذات يومٍ: إني ممن يسترق السمع والليلة نوبتي، قلت: فهل لك أن أختبئ معك؟ قال: نعم، فتهيأ، ثم أتاني، فقال: خذ بمعرفتي، وإياك أن تتركها فتهلك، فأخذت بمعرفته، فعرج حتى لمست السماء، فإذا قائل يقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فسقطوا بوجوههم، فسقطت، فرجعت إلى أهلي، فإذا أنا به يدخل بعد أيام، فجعلت أقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فيذوب بذلك حتى يصير مثل الذباب، ثم قال لي: قد حفظتَه فانقطعْ عنَّا.
137 -ومنها: شدة التحرز عن المعصية، وفرط الانبعاث إلى الطاعة، وشدة المبادرة إلى الامتثال والاعتصام بالله تعالى:
قال الله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [سورة التحريم: 6] .
وقال تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم: 6] .
138 -ومنها: التوبة، كما تقدم في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنهم حين أعرض الله عنهم لقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [سورة البقرة: 30] طافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك
لبيك، اعتذاراً إليك، لبيك لبيك، نستغفرك ونتوب إليك.
والملائكة - وإن كانوا معصومين على أحد القولين - فإن لهم توبةً تليق بهم كما في توبة الأنبياء، واستغفارهم مع أنهم معصومون أيضا.
وقد قال ذو النون وغيره من العارفين: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ولذلك خاطب الله تعالى جميع المؤمنين بالتوبة، فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 31] مع أن هذا الخطاب شامل للمعصومين.