أنت أمَرْتَنِي أَلاَّ أُفارِقَهم. وقد يُقال إن هارون لو قال لموسى: في الوقتِ الذي احتَجْتَ أنْ تَمْضِيَ إلى فرعون قلتَ: {وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً} [القصص: 34] ، وقلت: {فَأَرْسِلْهُ مَعِى} [القصص: 34] ، وقلت حين مضيتَ إلى سماع كلام الحق: {أخْلُفْنِى فِى قَوْمِى ...} [الأعراف: 142] فما اكتفيت بأَنْ لم تستصحبني. وخَلَّفْتَنِي! وقد عَلِمْتَ أَني بريءُ الساحةِ مما فعلوا فأخذتَ بلحيتي وبرأسي ... ألم ترضَ بما أنا فيه حتى تزيدني حَرْياً على حَرْي؟! .... لو قال ذلك لكان مَوْضِعَه، ولكنْ لِحلْمِه، ولِعِلْمِه - بأنَّ ذلك كُلَّه حُكْمُ ربِّهم - فقد قابَلَ كلَّ شيءٍ بالرضا.
{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) }
سأل موسى كلَّ واحدٍ منهم بنوعٍ آخر، وإن معاتبته مع قومه، ومطالبته لأخيه، وتَغَيُّرَه في نَفْسِه، واستيلاَءَ الغضب عليه - لم يغيِّرْ التقدير، ولم يُؤَخِّرْ المحكوم.
{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}
عَلِمْتُ ما لم يعلمه بنو إسرائيل فرأيتُ جبريلَ، فَقَبضْتُ الترابَ من موضع حافرِ دابته، وأُلقِي في رَوْعي أن ذلك سببُ حياةِ العجل فطرحتُها في جوفه ... هكذا زَيَّنَتْ لي نفسي فاتَّبَعْتُ هواها.
ثم كان هلاكُه ... لئلا يأْمَنَ أحدٌ خفي مَكْرِ التقدير، ولا يركنَ إلى ما في الصورة من رِفْقٍ فَلَعَلَّه - في الحقيقة - يكون مكراً، ولقد أنشدوا:
فأَمِنتُه فأَتَاحَ لي من مَأْمَنِي ... مَكْراً، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأحبابا
قوله جلّ ذكره: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} .