ويزيد الفرق ظهوراً أن موسى عليه السلام في الحضرة الإلهية طلب لنفسه ونبينا صلى الله عليه وسلم حين قيل له هناك السلام عليك أيها النبي قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وقد أطال الإمام الكلام في هذه الآية بما هو من هذا النمط فارجع إليه إن أردته {واحلل عُقْدَةً مّن لّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي} [طه: 27 ، 28] كأنه عليه السلام طلب قدرة التعبير عن الحقائق الإلهية بعبارة واضحة فإن المطلب وعر لا يكاد توجد له عبارة تسهله حتى يأمن سامعه عن العثار.
ولذا ترى كثيراً من الناس ضلوا بعبارات بعض الأكابر من الصوفية في"شرح الأسرار الألهية"وقيل: إنه عليه السلام سأل حل عقدة الحياء فإأنه استحيا أن يخاطب عدو الله تعالى بلسان به خاطب الحق جل وعلا.
ولعله أراد من القول المضاف القول الذي به ارشاد للعباد فإن همة العارفين لا تطلب النطق والمكالمة مع الناس فيما لا يحصل به ارشاد لهم نعم النطق من حيث هو فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال سبحانه: {الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان} [الرحمن: 1 4] من غير توسيط عاطف.
وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة ، وقال رضي الله عنه: المرء مخبوء تحت طي لسانه لا طيلسانه ، وقال رضي الله تعالى عنه: المرء باصغريه قلبه ولسانه ، وقال زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده...
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ومن الناس من مدح الصمت لأنه أسلم.
يموت الفتى من عثرة بلسانه...
وليس يموت المرء من عثرة الرجل
وفي نوابغ الكلم ق فاك لا يقرع قفاك ، والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والمنطق في نفسه فضيلة لكن قد يصير رذيلة لأسباب عرضية ، فالحق ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله:"رحم الله تعالى أمرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم".