والأمر للإباحة وتذكير النعمة. إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور هنا. لَآياتٍ لدلالات. لِأُولِي النُّهى أصحاب العقول، جمع نهية، كغرفة وغرف، سمي به العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح.
مِنْها خَلَقْناكُمْ من الأرض، فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم.
وَفِيها نُعِيدُكُمْ بالموت، وتفكيك الأجزاء. وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ عند البعث. تارَةً أُخْرى مرة أخرى، كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.
المناسبة:
بعد مبادرة موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون امتثالا لأمر الله، ووصولهما إلى قصر فرعون، والإذن لهما بالدخول بعد انتظار طويل، وصف الله تعالى الحوار الذي دار بينه وبينهما، فسألهما سؤال إنكار للرب تكبرا وتجبرا، بعد أن أثبت نفسه ربا في قوله: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ. فاستدل موسى على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات.
التفسير والبيان:
قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أي إذا كنتما رسولي ربكما إلي، فأخبراني:
من ربكما الذي أرسلكما؟ ويلاحظ أنه أضاف الرب إليهما، ولم يضفه إلى نفسه
لعدم تصديقه لهما، ولجحده للربوبية الحقة، ثم إنه خص موسى بالنداء بعد خطابهما مراعاة لرؤوس الآي، ولما ظهر له أنه الأصل المتبوع، وهارون وزيره وأخوه وأراد أن يقول: من هذا الرب الذي بعثك يا موسى وأرسلك؟ فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري.
فأجابه موسى:
قالَ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي قال موسى: ربنا هو الذي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يليق به، ويطابق المنفعة المنوطة به، كاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع.
ثم أرشدهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم، فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له، إما اختيارا كالإنسان والحيوان، وإما طبعا كالنبات والجماد، كقوله تعالى:
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [الأعلى 87/ 3] أي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، أي كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم مشى الخلائق على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. والآية لإثبات الصانع بأحوال المخلوقات.