أي: هذه الأرض وما اشتملت عليه من طرق ومن نبات شتى هي لمنفعتكم ومصلحتكم، فكلوا - أيها الناس - من هذه الثمار المتنوعة التي انشقت عنها الأرض، وارعوا أنعامكم من إبل وبقر وغنم في المكان الصالح للرعي من هذه الأرض، واشكروا الله - تعالى - على هذه النعم لكي يزيدكم منها.
واسم الإشارة في قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى يعود إلى المذكور من تلك النعم السابقة.
والنُّهى جمع نهية - بضم النون وإسكان الهاء - وهي العقل. سمى بذلك لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نهو الرجل - ككرم - إذا كملت نهيته، أي عقله.
والمعنى: إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من نعمة تمهيد الأرض، وجعل الطرق فيها: وإنزال المطر عليها، وإخراج النبات منها .. إن في كل ذلك لآيات وعظات وعبر، لأصحاب العقول السليمة، والأفكار القويمة.
ثم بين - سبحانه - أن هذه الأرض منها خلق الإنسان، وإليها يعود، ومنها يبعث للحساب يوم القيامة، فقال - تعالى -: مِنْها خَلَقْناكُمْ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى.
والضمير في «منها، وفيها» يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك في قوله - تعالى -:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً .. والتارة: بمعنى المرة.
أي: من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم، وأنتم تبع له، وفرع عنه، كما قال - تعالى -:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وقوله: وَفِيها نُعِيدُكُمْ أي: وفي الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث تكون محل دفنكم واستقرار أجسادكم.
وقوله: وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى أي: ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء يوم القيامة، للحساب والجزاء.
قال - تعالى -: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ.
وقال - سبحانه -: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.