ثم قال تعالى: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أي فلا يصرفنك عنها، أي عن العمل للساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها أي من لا يصدق بها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي واتبع شهواته في مخالفة أمر مولاه فَتَرْدى أي فتهلك وتعطب. قال ابن كثير:
(المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه؛ فاتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر) .
وقال النسفي: (فالخطاب لموسى والمراد به أمته، وقد دلت الآية على أن الهلاك يكمن في الكفر بالآخرة، وأن اتباع الهوى مرادف للتكذيب بها، فلا شيء يطهر من الهوى ويبعد عن الهلاك إلا الإيمان باليوم الآخر) .
فائدة:
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها .. يقول صاحب الظلال:
(فأما الساعة فهي الموعد المرتقب للجزاء الكامل العادل، الذي تتوجه إليه النفوس فتحسب حسابه، وتسير في الطريق وهي تراقب وتحاسب وتخشى الانزلاق .. والله سبحانه يؤكد مجيئها: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ وأنه يكاد يخفيها. فعلم الناس بها قليل لا يتجاوز ما يطلعهم عليه من أمرها بقدر ما يحقق حكمته من معرفتهم ومن جهلهم ..
والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر وفي تكوينهم النفسي. فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه. ولو كان كل شيء مكشوفا لهم - وهم بهذه الفطرة - لوقف
نشاطهم وأسنت حياتهم. فوراء المجهول يجرون. فيحذرون ويأملون، ويجربون ويتعلمون.
ويكشفون المخبوء من طاقتهم وطاقات الكون من حولهم، ويرون آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق، ويبدعون في الأرض بما شاء لهم الله أن يبدعوا .. وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد، يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة. فهم من موعدها على حذر دائم وعلى استعداد دائم. ذلك لمن صحت فطرته واستقام. فأما من فسدت فطرته واتبع هواه فيغفل ويجهل، فيسقط ومصيره إلى الردى: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى.