{يا موسى إني انا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادِ المقدس طوى} .. إنك في الحضرة العلوية. فتجرد بقدميك. وفي الوادي الذي تتجلى عليه الطلعة المقدسة ، فلا تطأه بنعليك.
{وأنا اخترتك} .. فيا للتكريم! يا للتكريم أن يكون الله بذاته هو الذي يختار. يختار عبداً منِ العبيد هو فرد من جموع الجموع.. تعيش على كوكب من الكواكب هو ذرة في مجموعة. المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له الله: كن.. فكان! ولكنها رعاية الرحمن لهذا الإنسان!
وبعد إعلانه بالتكريم والاختيار ، والاستعداد والتهيؤ بخلع نعليه ، ويجيء التنبيه للتلقي:
{فاستمع لما يوحى} ..
ويلخص ما يوحى في ثلاثة أمور مترابطة: الاعتقاد بالوحدانية ، والتوجه بالعبادة ، والإيمان بالساعة ؛ وهي أسس رسالة الله الواحدة:
{إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى} ..
فأما الألوهية الواحدة فهي قوام العقيدة. والله في ندائه لموسى عليه السلام يؤكدها بكل المؤكدات: بالإثبات المؤكد. {إنني أنا الله} وبالقصر المستفاد من النفي والاستثناء: {لا إله إلا أنا} الأولى لإثبات الألوهية لله ، والثانية لنفيها عن سواه.. وعلى الألوهية تترتب العبادة ؛ والعبادة تشمل التوجه لله في كل نشاط الحياة ؛ ولكنه يخص بالذكر منها الصلاة: {وأقم الصلاة لذكري} لأن الصلاة أكمل صورة من صور العبادة ، وأكمل وسيلة من وسائل الذكر ، لأنها تتمحض لهذه الغاية ، وتتجرد من كل الملابسات الأخرى ؛ وتتهيأ فيها النفس لهذا الغرض وحده ، وتتجمع للاتصال بالله.