قال ابن عرفة: انظر هل هذا من الإشارة إلى القريب بلفظ البعيد للتعظيم؟ مثل: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أو لا؟ كان بعضهم سيعمله منه محتجا بأنه إذا اجتمع في الكلام القريب وبعيد يغلب القريب بدليل تغليبهم ضمير المخاطب على الغائب والمشار إليهم هنا منهم زكريا وهو بعيد، ومنهم إدريس، وهو قريب، وكان بعضهم يقول بالعكس أولا؛ لأن المشار إليهم مجموع مشتمل على قريب وبعيد.
وقد قال المنطقيون: فاعتبر هنا في المجموع أدناه وهو البعيد، فلذلك أشير إليه بلفظ البعيد.
قوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ) .
قال ابن عرفة: كونه خبر المبتدأ يوجب إشكالا؛ وهو توهم حصر النبيين في هؤلاء، ولزم من البيان الجنس، فيجاب بأنه أعم، والخبر يكون أعم من المبتدأ، أورده بعض الطلبة بأن هذا عام لَا أعم إذ لَا يقول: زيد الرجال، كما يقول: زيد الحيوان، وأجاب ابن عرفة بأن كونه تاما لَا ينافي هنا كونه أعم فهو هنا عام وأعم، قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) أنه معلوم لَا غرابة فيه، قال: فائدته تشريف آدم بنسبتهم إليه.
قوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ) .
ولم يقل: آيات الله، أو القهار، أو العزيز، أو الجبار تنبيها بالأدنى على الأعلى؛ إشارة إلى أنهم إذا سمعوا آيات الرحمن والرحمة يبكون ويسبحون؛ فأحرى إذا سمعوا آية التخويف والموعظة.
قوله تعالى: (سُجَّدًا) .
قال أبو حيان: حال مقدرة؛ لأنهم حال الخرور والقعود.
قال أبو حيان: شَاهِدٍ وَمَشهُودٍ).
قال ابن عرفة: شهود ليس إلا جمع، وشهود وقعود يحتمل الجمع والمصدر، كما أن (بُكِيًّا) يحتمل الجمع إذا تلوها هم بأنفسهم هل يكون أحرى فيمن جاورهم أو مساويا أبدا؟ قلنا: يحتمل الأخروية والتساوي، ويحتمل أن يكون من جاورهم بسماعها من غيرهم أمرا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم:"إني أحب أن أسمعه من غيري". انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 3/ 116 - 124} ...