وهذا الانفعال يُسمُّونه"انفعال نزوعي"ناتج عن الوجدان ، والوجدان ناتج عن الإدراك ، وهذه مظاهر الشعور الثلاثة: الإدراك ، ثم الوجدان ، ثم النزوع . والإنسان له حواس يُدرِك بها: العين والأذن والأنف واللسان . . الخ .
فهذه وسائل إدراك المحسّات ، فإذا أدركتَ شيئاً بحواسِّك تجد له تأثيراً في نفسك ، إما حُباً وإماً بُغْضاً ، إما إعجاباً وإما انصرافاً ، وهذا الأثر في نفسك هو الوجدان ، ثم يصدر عن هذا الوجدان حركة هي"النزوع".
فمثلاً ، لو رأيتَ وردة جميلة فهذه الرؤيا"إدراك"، فإنْ أُعجبْتَ بها وسُ رِرْتَ فهذا"وجدان"، فإنْ مددْتَ يدك لتقطفها فهذا"نزوع". والشرع لا يحاسبك على الإدراك ولا على الوجدان ، لكن حين تمد يدك لقطف هذه الوردة نقول لك: قفْ فهذه ليست لك ، ولا يمنعك الشارع ويتركك ، إنما يمنعك ويوحي لك بالحلِّ المناسب لنزوعك ، فعليك أنْ تزرع مثلها ، فتكون مِلْكاً لك أو على الأقل تستأذن صاحبها .
كذلك الحال فيمن تسمّع لكلام الله وقرآنه يدرك القرآن بسمعه فينشأ عنه حلاوة ومواجيد في نفسه ، وهذا هو الوجدان الذي ينشأ عنه انفعال نُزوعي ، فلا يجد إلا أنْ يخر ساجداً لله تعالى .
والنزوع هنا لم يُكنْ نزوعاً ظاهرياً بل وأيضاً داخلياً ، ففاضت أعينهم بالدمع {سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58] .
وقد عُولج هذا المعنى في عِدّة مواضع أُخَر ، كما في قوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} [الإسراء: 107] .
ومعنى: للأذقان: مبالغة في الخضوع والخشوع واستيفاء السجود ؛ لأن السجود يكون أولاً على الجبهة ثم الأنف لكن على الأذقان ، فهذا سجود على حَقٍّ ، وليس كنقْر الديكَة كما يقولون .