لذلك يقول تعالى: {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} [النساء: 97] .
أي: كانت الفرصة أمامكم لتتركوا هذه البُقْعة إلى غيرها من أرض الله الواسعة ، وكأن الحق تبارك وتعالى يُلفت نظرنا إلى أن الأرض كلها أرض الله ، فأرض الله الواسعة ليست هي مصر أو سوريا أو ألمانيا ، بل الأرض كلها بلا حواجز هي أرض الله ، فمَنْ ضاق به مكانٌ ذهب إلى غيره لا يمنعه مانع ، وهل يوجد هذا الآن؟ هل تستطيع أن تخترق هذه الحواجز ودونها نظم وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان .
لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الرحمن: 10] .
أي: الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام وهذا من المبادئ التي جعلها الخالق سبحانه للإنسانية ، فلما استحدثَ الإنسانُ الحواجز والحدود ، وأقام الأسوار والأسلاك ومنع الأنام من الحركة في أرض الله نشأ في الكون فساد كبير ، فإنْ ضاق بك موضع لا تجد بديلاً عنه في غيره ، وإنْ عِشْتَ في بيئة غير مستقيمة التكوين كتب عليك أنْ تشقى بها طوال حياتك .
وقلنا: إن هذه الحدود وتلك الحواجز أفرزتْ أرضاً بلا رجال ، ورجالاً بلا أرض ، ولو تكاملتْ هذه الطاقات لا ستقامتْ الدنيا .
ومسألة الاعتزال هذه ، أو الهجرة من أرض الباطل ، أو من بيئة لا ينتصر فيها الحق وردتْ في نصوص عِدَّة بالنسبة لسيدنا إبراهيم عليه السلام منها قوله تعالى:
{قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 6871] .