فترك إبراهيم الأرض التي استعصتْ على منهج الله إلى أرض أخرى ، وهاجر بدعوته إلى بيئة صالحة لها من أرض الشام .
نعود إلى اعتزال إبراهيم عليه السلام للقوم ، لا لطلب الرزق وسَعة العيش ، بل الاعتزال من أجل الله وفي سبيل مبدأ إيماني يدعو إليه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} [مريم: 48] وأول ما نلحظ أن في هذه النص عدولاً ، حيث كان الكلام عن العبادة: {يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ} [مريم: 42] ، {يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان} [مريم: 44] .
والقياس يقتضي أن يقول: وأعتزلكم وما تعبدون . . وأدعو ربي . أي: أعبده ، إلا أنه عدل عن العبادة هنا وقال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ} [مريم: 48] فلماذا؟
قالوا: لأن الإنسان لا ينصرف عن ربه وعن وحدانيته تعالى إلا حين يستغني ، فإنْ ألجأتْهُ الأحداث واضطرته الظروف لا يجد ملجأ إلا إلى الله فيدعو . إذن: فالعبادة ستصل قَطْعاً إلى الدعاء ، وما دُمْتَ ستضطر إلى الدعاء فليكُنْ من بداية الأمر:
{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} [مريم: 48] .
إذن: استخدم الدعاء بدل العبادة ؛ لأنني أعبد الله في الرخاء ، فإنْ حدثتْ لي شِدَّةٌ لا أجد إلا هو أدعوه .
وقوله: {وَأَدْعُو رَبِّي عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} [مريم: 48] أي: عسى ألاَّ أكون شقياً بسبب دعائي لربي ؛ لأنه تبارك وتعالى لا يُشقي مَنْ عبده ودعاه ، فإنْ أردتَ المقابل فَقُلْ: الشقيُّ مَنْ لا يعبد الله ولا يدعوه .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ}