ثم أخبر عن الاستغفار في المستقبل فلم يقُلْ استغفرتُ ، بل {سَأَسْتَغْفِرُ} [مريم: 47] يريد أنْ يُبرئ استغفاره لعمه من المجاملة والنفاق والخداع ، وربما لو استغفرتُ لك الآن لظنِنتُ أنِّي أجاملك ، أما {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ} [مريم: 47] أي: بعيداً عنك ليكون دعاءً عن ظَهْر غيب ، وهو أَرْجَى للقبول عند الله .
ثم يقول: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم: 47] يريد أنْ يُطمئِن عمه إلى أن له منزلة عند الله ، فإذا استغفر له ربه فإنه تعالى سيقبل منه .
وحَفياً: من الفعل حَفِيَ يَحْفيَ كرَضِي يرضى ، ويأتي بعده حرف جر يُحدِّد معناها . تقول: حفيٌّ به: أي بالغٍ في إكرامه إكراماً يستوعب متطلبات سعادته ، وقابله بالحفاوة: أي بالإكرام الذي يتناسب مع ما يُحقِّق له السعادة .
وهذا أمر نسبيّ يختلف باختلاف الناس ، فمنهم مَنْ تكون الحفاوة به مجرد أنْ تستقبلَه ولو على حصيرة ، وتُقدِّم له ولو كوباً من الشاي ، ومن الناس مَنْ يحتاج إلى الزينات والفُرُش الفاخرة والموائد الفخمة ليشعر بالحفاوة به .
ونقول: حَفِيٌّ عنه: أي بالغ في البحث عنه ليعرف أخباره ، وبلغ من ذلك مبلغاً شَقَّ عليه وأضناه ، وبالعامية يقولون: وصلتُ له بعدما حفيتُ ، ومن ذلك قوله تعالى عن الساعة: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] أي: كأنك معنيٌّ بالساعة ، مُغْرم بالبحث عنها ، دائم الكلام في شأنها .