وقوله تعالى في هذه الآية الكريمةك {وكان تقياً} أي ممتثلاً لأوامر ربه مجتنباً كل ما نهى عنه. ولذا لم يعمل خطيئة قط ، ولم يلم بها ، قاله القرطبي وغيره عن قتادة وغيره. وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة ، والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعاً ، إما بانقطاع ، وإما بعنعنة مدلس: وإما بضعف راو ، كما أشار له ابن كثير وغيره. وقد قدمنا معنى « التقوى » مراراً وأصل مادتها في اللغة العربية.
وقوله تعالى: {وبراً بوالديه} البر بالفتح هو فاعل البر - بالكسر - كثيراً أي وجعلناه كثير البر بوالديه ، أي محسناً إليهما ، لطيفاً بهما ، لين الجانب لهما. وقوله « وبراً » معطوف على قوله « تقياً » ، وقوله « ولم يكن جباراً عصياً » أي لم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه ، ولكنه كان مطيعاً لله ، متواضعاً لوالديه ، قاله ابن جرير. والجبار: هو كثير الجبر ، أي القهر للناس ، والظلم لهم. وكل متكبر على الناس يظلمهم: فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130] وعلى من يتكرر منه القتل في قوله: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً} [القصص: 19] الآية. والظاهر أن قوله: « عصياً » فعول قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة: التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
إن يسكن السابق من واو ويا... واتصلا ومن عروض عريا
فياء الواو اقبلن مدغماً... وشذ معطى غير ما قد رسما
فأصل « عصياً » على هذا « عصوياً » كصبور ، أي كثير العصيان. ويحتمل أن يكون أصله فعيلاً وهي م صيغ المبالغة أيضاً ، قاله أبو حيان في البحر.