فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكريا خرج على قوله من المحراب فأشار إليهم ، أو كتب لهم ، أن سبحوا الله أول النهار وآخره. فالبكرة أول النهار ، والعشي آخره. وقد بين تعالى في « آل عمران » أن هذا الذي أمر به زكريا قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشياً - أن الله أمر زكرياء به أيضاً ، وذلك في قوله: {واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] . والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب} [آل عمران: 39] . قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: والمحراب: ارفع المواضع ، وأشرف المجالس. وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الآرض اهـ. وقال الجوخري في صحاحه: قال الفراء المحاريب: صدور المجالس ، ومنه سمي محراب المسجد ، والمحراب: الغرفة. قال وضاح اليمن:
ربة محراب إذا جئتها... لم ألقها أو أرتقي سلما
ومن هذا المعنى قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب} [آل عمران: 37] الآية.
تنبيه
أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة: مشروعية الإمام على المأمومين في الصلاة. لأن المحراب موضع صلاة زكريا ، كما جل عليه قوله {وهو قائم يصلي في المحراب} . والمحراب أرفع من غيره ، فدل ذلك على ما ذكر. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعاً عندهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار ، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره ، متمسكاً بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير. وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام.