عبر عن ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن يحيى بن زكريا ما عصى الله قط ولا همَّ"
بمعصية"وذكر أنه كان ابن ثمان سنين، فدخل بيت المقدس، ورأى عبَّاد بني"
إسرائيل قد نقبوا التراقي، وجعلوا فيها السلاسل وعلقوها في سقف بيت
المقدس ورأى غير ذلك من أنواع اجتهادهم في العبادة، فهاله ذلك ورجع إلى
منزله، فمرَّ بصبيان يلعبون فدعوه للعب، فقال: ما للعب خلقت، وذهب إلى أمه
فسألها مسوحًا وهيئة التعبد ثم قبل على العبادة، ولما بلغ خمسة عشر عامًا
أخذ في السياحة.
فهذا وما أشبهه عبارة عن شرح قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12) . إذ
الصبا كما قالوا: قطعة من الجنون، فمن كان معه ما يحكمه ويمنعه عن ذلك، ويقيده
عن ملاعب ديدن الصبا فقد أوتي الحكم، والعرب تقول: احكموا عنا سفهاءكم أي:
امنعوا، وجاء:"أن الله - جل ذكره - ليعجب للشاب ليست له صبوة".
وفي أخرى:"ليضحك".
قوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ... (13) . أي: محبة جعلها فيه من لدنه له
والحنان أيضًا الرحمة والرأفة (وَكَانَ تَقِيًّا(13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)
وهذه صفة لأحد أصحاب الرقيم، كما كانت صفة الآخر منهم أنه
تمكن من الدنيا على أحب ما كان إليها فتركها لله، وقد تقدم وصفه في قوله:"اللهم"
إني كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء"إلى آخر قصته،"
وقد تقدم ذكره.
(وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ ...(15) . قُتِل يحيى بن زكريا - صلوات الله
وسلامه عليهما - شهيدًا، وقد نهينا أن نقول في غيره أمواتًا فكيف به؟! ثم قال
(وَيَوْمَ يَمُوتُ) ولم يقل: يوم مات، كما قال: يوم وُلِدَ، بلفظ الماضي (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) . انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 3/ 473 - 479} ...