وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ النَّصْبِ فِي الشَّيْبِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ، كَأَنَّهُ حِينَ قَالَ: اشْتَعَلَ، قَالَ: شَابَ، فَقَالَ: شَيْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى: تَفَقَّأْتُ شَحْمًا وَامْتَلَأْتُ مَاءً، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نُصِبَ الشَّيْبُ عَلَى التَّفْسِيرِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، وَاشْتَعَلَ رَأْسِي شَيْبًا، كَمَا يُقَالُ: تَفَقَّأْتُ شَحْمًا، وَتَفَقَّأَ شَحْمِي
وَقَوْلُهُ: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}
يَقُولُ: وَلَمْ أَشْقَ يَا رَبِّ بِدُعَائِكَ، لِأَنَّكَ لَمْ تُخَيِّبْ دُعَائِي قَبْلُ إِذْ كُنْتُ أَدْعُوكَ فِي حَاجَتِي إِلَيْكَ، بَلْ كُنْتَ تُجِيبَ وَتَقْضِي حَاجَتِي قِبَلَكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) }
يَقُولُ: وَإِنِّي خِفْتُ بَنِي عَمِّي وَعَصَبَتِي مِنْ وَرَائِي. يَقُولُ: مِنْ بَعْدِي أَنْ يَرِثُونِي،
وَقِيلَ: عَنَى بِقَوْلِهِ {مِنْ وَرَائِي} مِنْ قُدَّامِي وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ،
وَقَدْ بَيَّنْتُ جَوَازَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي}
يَعْنِي بِالْمَوَالِي: الْكَلَالَةَ الْأَوْلِيَاءَ أَنْ يَرِثُوهُ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ يَحْيَى.
عَنِ السُّدِّيِّ: وَالْمَوَالِي: هُنَّ الْعَصَبَةُ.
وَالْمَوَالِي: جَمْعُ مَوْلًى، وَالْمَوْلَى وَالْوَلِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاحِدٌ.
وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} بِمَعْنَى: الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ خَوْفُ الْأَمْنِ. وَرُوِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ قَرَأَهُ: «وَإِنِّي خَفَّتِ الْمَوَالِي» بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ مِنَ الْخِفَّةِ، كَأَنَّهُ وَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ: وَإِنِّي ذَهَبَتْ عَصَبَتِي وَمَنْ يَرِثُنِي مِنْ بَنِي أَعْمَامِي. وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَتِ الْيَاءُ مِنَ الْمَوَالِي مُسَكَّنَةً غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ، لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِخَفَّتْ
وَقَوْلُهُ: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا}