والإبهام قد يفيد فخامة؛ إذ الشيء إذا كان عظيمًا لا يعرف كيفيته كما في قَوْله تَعَالَى:
(القارعة ما القارعة) وقد يفيد الإبهام التحقير؛ إذ الشيء ما لم يلتفت
يكون مجهولًا مبهمًا أو بيان أنه بلغ مبلغًا في انحطاطه لا يعرف قدره والتعيين موكول إلَى
القرينة والجهة متغايرة فلا إشكال فقوله: (قكأنه أريد به ضرب لا يبلغ كنهه) إشَارَة إلَى ما
قلناه وإن إفادته التحقير من وجه آخر مغاير له قوله (ولا يقادر قدره) مجهول من قادره
بالقاف وقدر بسكون الدال ويجوز فتحه أي لا يعرف مقداره وفي الأساس قدرت الشيء
قدره وهذا شيء لا يقادر قدر وهو من قولهم تقادر الرجلان إذا طلب كل منهما مساواة
الآخر في المقدار وفي كلامه إشَارَة إلَى أن هذا الهدى غير الهدى الْمَذْكُور كَيْفَ لا، والمراد
به هنا الاهتداء وهناك الهداية. وقيل أي أعيد النكثة نكرة لإفادة التعظيم مع عدم سبق الذهن
إلى غيره؛ إذ لا تعدد في الهدى، ولا يخفى ضعفه لما مَرَّ عَلَى أنه إن أراد عدم تعدده في
نفسه فمسلم لكن لا يفيده وإن أراد عدمه بحسب المراتب فغير مسلم والمستند ظَاهر مما
ذكره الْمُصَنّف في سورة الْفَاتحَة.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
التَّفْسيرية مقمسة لمزيد البيان وقال صاحب الكشف ولك أن تقدر الخبر مَحْذُوفا أي واضح أو لا يخنهى
بعد ما [فش] معنى كونه منه وهذا أقرب مأخذا. أقول: توجه القطب أقرب إلَى الذهن لأن الْمُتَبَادَر من قوله
أي منحوه من عنده معنى الخبرية فإن السامع عند استماع هذا الْكَلَام يأخذ منه أن معنى(هدى من
ربهم)هدى منحوه منْ رَبّهمْ، ولا يخفى [من نظر] إلَى أن خبر المبتدأ بعده ما فالوجه أن يكون
مجيء أي المفسرة بين المبتدأ والخبر لتأكيد الاتحاد بَيْنَهُمَا كما توسط الواو بين الصّفَة والْمَوْصُوف في
(وثامنهم كلبهم) لتأكيد لصوق الصّفَة بالْمَوْصُوف وبين مَفْعُولي صير تأكيد الاتحاد
بَيْنَهُمَا كما في قوله وصير في هواك وبي لحيني بضرب المثل فإن معناه وصيرني هواك بضرب المثل في
لحيني والواو مزيدة لتأكيد اللصوق وأقول يمكن أن يكون خبر المبتدأ.
قوله: وهو اللطف والتوفيق توسط الواو بين المبتدأ والخبر لتأكيد اتحادهما وارْتكَاب زيادة
الواو بين المبتدأ والخبر أوفق للاسْتعْمَال من زيادة أي التَّفْسيرية؛ إذ لم يعهد زيادة أي المفسرة بين
المبتدأ والخبر في كلام العرب بخلاف الواو وما في البيت من هذا القبيل لأن مَفْعُولي أفعال
الْقُلُوب مبتدأ وخبر في الأصل عَلَى أن جعل الخبر قوله هُوَ اللطف والتوفيق أنسب لحال
الزَّمَخْشَريّ في ترويج مذهبه لأن الْإخْبَار به عنه مهتم يشأنه عنده والمقصود من الجمل الخبرية
إفادة المتكلم لمخاطبه ما أفادته له مقصودة عنده ومن المعلوم أن المشاغب يقصد أولًا وبالذات أن
يدمج في أثناء كلام هُوَ بصدده ما هُوَ مطلوب من المشاغبة فاقتضى ذلك هنا أن يكون قوله ومعنى
مبتدأ ولفظة أي مع ما بعده تفسيرًا للمبتدأ والخبر قوله هُوَ اللطف والتوفيق مع أن فيه تكرر الإسناد
المنبئ عن حد المتكلم في إفادة مضمونه وهو كما قَالَ الحكيم الفلسفي في جواب قول السني
العالم حادث العالم أي ما يعلم به الصانع وهو قديم فإن جعل خبر المبتدأ ما يفيد الواو هنا أولى