بالمركوب في قولهم (امتطى الجهل والغوي) أي ركبه واتخذه مطيًا إن جعل بمنزلة ركب
مطية الجهل كان اسْتعَارَة بالكناية وإن جعل في قوة اتخذ الجهل مطية كان تشبيها وأيًا ما
كان تشبيه الجهل والغواية بالمطية مقصودًا منه وهو الْمُرَاد بكونه مصرحًا به فالتقدير
الثاني أوفى بالمرام ومراده منه دفع استبعاد تشبيه الهدى ونحوه بالمركوب فإنه لما ذكر
اسْتعَارَة عَلَى للتمسك بالْهُدَى لزم منه تنبيه الهدى بالمركوب وقد يتوهم استبعاده أزال
ذلك الاستبعاد بأن هذا التشبيه ضمني غير مقصود من الْكَلَام وقد صرحوا بأمثاله وجعلوه
مقصودا منه كما عرفته، والْمُرَاد بالجهل هنا بمعنى البغي والتجاوز وهو أصله الشائع في
كلام الفصحاء وسره أن الجهل سبب للبغي فأطلق عليه مَجَازًا والصارف عن الحقيقي كون
المقام مقام الذم واللوم وذلك أدخل فيه ولو حمل عَلَى الْمَعْنَى الحقيقي لم يبعد قيل وفي
بعض النسخ والغوي معرفًا بالألف واللام كأنها تحريف لأن الغوي كالهوى فساد الجوف
فجعله بمعنى الغواية وإن كان له وجه تكلف انتهى. ولا يخفى أن الغوي مشتهر اسْتعْمَاله
في الغواية. نعم نسخة غوى كتوى بمعنى ضل ماضيًا أوضح في إفادة المرام ثم إنه إن كان
منشأ الاستبعاد كون الهدى ونحوه من الْمَعَاني وتشبيه الْمَعَاني والأوصاف بالمركوب الذي
يعتلي عليه حَقيقَة مستبعد فإزالته بذلك الغوي ونحوه واضح وإن كان منشأه كون الهدى من
الأمور الشريفة فإزالته بذلك محل نظر؛ إذ من حسن تشبيه الجهل والغواية بالمطية لا يفهم
حسن تشبيه الهدى بالمركوب.
قوله: (واقتعد غارب الهوى) شبه الهوى بالمطية وأثبت له الغارب تخييلًا فالتشبيه
أَيْضًا مقصود مصرح به ولا يضره كون الاسْتعَارَة مُطْلَقًا مبنية عَلَى تناسي التشبيه فإن للتشبيه
فيها مقصود مُطْلَقًا لكنه ادعى فيها تناسي الشبه للمُبَالَغَة واقتعد بمعنى ركب فإنه افتعال من
القعود استعمل هنا في الركوب فإنه من أفراد القعود فيكون تَرْشيحا للكناية كما أن الغارب
وهو ما بين السنام والعنق قرينة لها وذهب النحرير إلَى أن امتطى اسْتعَارَة تبعية شبه اتصافه
بالجهل واستقراره عليه بامتطاء المطية واسْتُعيرَ لفظ المشبه به للمشبه فسرت الاسْتعَارَة إلَى
الْفعْل وذكر الْمَفْعُول قرينة واعترض قدس سره بأنه لا فرق حِينَئِذٍ بينه وبين قوله:(عَلَى
هدى)في أن تشبيه الهدى والجهل لَيسَ مقصودًا فيهما فَكَيْفَ يجعل مصرحًا
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
لَيسَ بصحيح لأن هذا الْمَعْنَى ملزوم معنى امتطى الجهل لا معناه الموضوع له هُوَ له ولو صح بهذا
التأويل جعل الْكَلَام من قبيل التشبيه لصح أن يكون رأيت في الحمام أسدًا من باب التشبيه لأن أصل
معناه رأيت في الحمام رجلًا شجاعًا مثل الأسد.