أن الْمَعْطُوف إما أن يكون مباينا للمَعْطُوف عليه بالذات [أو لا] وعلى الأول إما أن يكون
الْمَعْطُوف عليه الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالْغَيْب وهو الوجه الأول أو المتقين وهو الوجه الثاني وعلى
الثاني إما أن يكون متحدًا بالْمَعْطُوف عليه بالذات وهو الوجه الثالث أو طائفة منه وهو
الرابع، فعلى هذا تعريف الموصول للجنس في الأول وفي الثاني للعهد؛ إذ الْمُرَاد من الأول
مطلق من آمن بالْغَيْب سواء كان عن شرك وإنكار [أو لا] يدخل فيهم(وهم مؤمنو أهل
الْكتَاب)فيكون عطف الموصول الثاني عَلَى الأول عطف الخاص عَلَى العام والنُّكْتَة الشائعة
فيه متحققة، وإلى ذلك أشار بقوله (ذكرهم مخصَّصين) بفتح الصاد الأولى (عن الْجُمْلَة)
وفي هذا الوجه يدخل في الإيمان بالْغَيْب إيمان ما يدركه العقل وإيمان ما لا طريق إليه غير
السمع فلا يرام فيه تغاير الصفات بل يطلب تغاير الذوات تأويلًا وادعاء كما أشار إليه
(كذكر جبرائيل وميكائيل بعد الْمَلَائكَة) فإنهما لكمال قربهما ورفعة منزلتهما عند ذي
العرش كأنهما نوع آخر مغاير لجنس الْمَلَائكَة وأعلى منه كَذَلكَ مؤمنو أهل الْكتَاب
لإحرازهم الإيمانين والأجرين عليهما كأنهم مغايرون لجنس سائر الْمُؤْمنينَ بالْغَيْب وأعلى
منهم من هذه الجهة فحسن العطف بهذا التغاير الاعتباري فلا يلزم [التَّفْضيل] عَلَى الخلفاء
الراشدين وسائر عظماء الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم أَجْمَعينَ لما سبق من أن المفضول
قد يكون له فضل لم يوجد في الفاضل كفضل الغائبين بالإيمان بالْغَيْب كما مَرَّ من حديث
ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - فلا إشكال قطعًا (قوله تعظيما لشأنهم) أي من هذا الوجه لا
من كل وجه وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن الْمُرَاد أهل الْكتَاب أدركوا الْإسْلَام وآمنوا بالنَّبيّ عليه
السلام وكان إيمانهم السابق معتدًا به بسببه (وترغيبًا لأمثالهم) أي من الَّذينَ آمَنُوا بالكتب
السابقة ولم يؤمنوا بالْقُرْآن في الإيمان به حتى أحرزوا بهذا الشرف كما مدح به اللص.
قوله: (والْإنْزَال) الفرق بين التنزيل والْإنْزَال أن الأول(تحريك الشيء من علو إلَى
سفل)عَلَى سبيل التدريج؛ إذ صيغة التفعيل تدل عَلَى الكثرة والكثرة هنا في الْفعْل وذلك لا
يكون إلا بالتدريج بخلاف الْإنْزَال فإنه أعم من أن يكون تدريجًا كقَوْله تَعَالَى:(إنا أنزلنا
إليك الْكتَاب بالحق)الآية. أو دفعة كقَوْله تَعَالَى: (إنا أنزلنا التَّوْرَاة)
الآية. لكن في اللغة لم يفرق بَيْنَهُمَا واسْتعْمَال التنزيل في قَوْله تَعَالَى:
( [وَقَالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزّلَ عَلَيْه الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحدَةً] ) إما عَلَى معنى اللغة أو المجازي واخْتيرَ هنا
الْإنْزَال في الموضعين لعموم التدريج وغيره.
قوله: (وهو إنما يلحق بالْمَعَاني) الْمَعَاني هنا مقابل للذات أي القائم بالغير والذات
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
مع دخولهم في الأولين تَشْريفا لهم وتعظيما حيث جمعوا الإيمانين أعني الإيمان بالْقُرْآن والإيمان
[بالكتب] الْإلَهيَّة المتقدمة بخلاف من آمن بالْقُرْآن من أهل الشرك [فإن] إيمانه بالْكتَاب المقدم عليه
أصالة بل إنما هُوَ في ضمن إيمانه بالْقُرْآن المصدق لما تقدمه وترغيبًا لغبرهم ممن آمن بالكتب
السابقة دون الْقُرْآن أن يؤمنوا بالْقُرْآن أَيْضًا كما آمن هَؤُلَاء الْكتَابيون.
قوله: (وهو إنما يلحق الْمَعَاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها هذا جواب اتصافه بالنزول