فلا وجه لتَخْصيصه بأهل الْكتَاب ولا دلالة في الآية. للأفراد بالذكر عَلَى أن الإيمان لكل
منهما بطَريق الاستقلال ألا ترى إلَى قَوْلُه تَعَالَى:(قُولُوا آمَنَّا باللَّه وَمَا أُنْزلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزلَ
إلَى إبْرَاهيمَ)الآية. فقد أفرد فيه الكتب المنزلة من قبل ولم يقتض الإيمان
بها عَلَى الانفراد. أقول: قوله بأن الإيمان بالمنزلين مشترك بين الْمُؤْمنينَ ضعيف إن المراد
بإيمان أهل الْكتَاب بالكتب المنزلة قبل نزوله إيمان قديم ثابت قبل البعثة لا إيمان حادث
في ضمن إيمان الْقُرْآن بدليل قَوْلُه تَعَالَى: (أُولَئكَ يؤتون أجرهم مرتين)
الآية. وبقول الرَّسُول عليه السَّلام لأهل الْكتَاب أجران وقد بين شراح الْحَديث بأن إيمانهم
السابق معتد به بعد الإيمان بالْقُرْآن كما مَرَّ تفصيله فبمعونة هذه القرينة الرابية يدل الإفراد
في الذكر عَلَى أن الإيمان بكل منهما بطَريق الاستقلال بخلاف قَوْلُه تَعَالَى:(قولوا آمَنَّا
باللَّه)الآية. فإنه لا دلالة فيه عَلَى الاستقلال لعدم القرينة بل القرينة قائمة
على عدم الاستقلال؛ إذ الخطاب لنا وشتان ما بَيْنَهُمَا، أَلَا [تَرَى] أنه لم يدع في هذا الاحتمال
الثالث استقلال الإيمان بكل منهما فالنكات تختلف بالاعتبارات ثم قال وبأن ما ذكر في
تقديم الْآخرَة وبناء يوقنون عَلَى هم إنما يقع موقعه إذا عم الْمُؤْمنينَ وإلا لأوهم نفيه عن
الطائفة الأولى. أقول: إن الْمُصَنّف دفع هذا الوهم بتعميم الغيب الْآخرَة وأحوالها فالإيمان
بالْغَيْب شامل للإيمان بالْآخرَة فإنه نصب عليها دليل سمعي فآمن بها الطائفة الأولى ودفع
أَيْضًا بأنه تعريض بمن عداهم من أهل الْكتَاب عَلَى أن الإيهام بطَريق المفهوم فلا يعارض
المَنْطُوق ثم قال وبأن أهل الْكتَاب لم يكُونُوا مُؤْمنينَ بجميع ما أنزل من قبل فإن الْيَهُود لم
يؤمنوا بالْإنْجيل والنصارى لم يؤمنوا بالتَّوْرَاة ثم نقل الْجَوَاب عنه ورده ثانيا. أقول: الْمُرَاد من
أهل الْكتَاب هم الَّذينَ آمَنُوا بجميع الكتب المنزلة مطلقًا سواء أنزل عليهم وأُمرُوا بالعمل بما
فيه [أو لا] ثم أدركوا الْإسْلَام وآمنوا بالْقُرْآن لا مطلق أهل الْكتَاب ومنهم الَّذينَ يقولون نؤمن
ببعض [ونكفر ببعض] فإن إيمانهم كلا إيمان وهم الكافرون حقًا وقد مَرَّ مرارًا أن إيمانهم الثابت
قبل البعثة معتد به إذا آمنوا بالْقُرْآن فذلك الإيمان بجميع الكتب وإلى ما ذكرنا أشار المص
بقوله كعبد الله بن سلام وإضرابه ولا يظن أنهم آمنوا بالتَّوْرَاة ولم يؤمنوا بالْإنْجيل وسائر
الكتب الْإلَهيَّة قبل البعثة حاشاهم عن ذلك، وَأَيْضًا أشار الْمُصَنّف في آخر البحث إلَى أن
الْمُرَاد بما أنزل من قبلك التَّوْرَاة والْإنْجيل وسائر الكتب السابقة ولا مساس لهذا المقام كون
التَّوْرَاة منسوخة بالْإنْجيل أو غير منسوخة به لما مَرَّ من أن الْمُرَاد اعتقاد أنها كتب إلهية سواء
أُمرُوا بالعمل بما فيه [أو لا] وبحثه سيجيء إن صاء الله تَعَالَى في سورة آل عمران في قوله
تَعَالَى: (ومُصَدِّقًا لما بين يدي من التَّوْرَاة) الآية. وهذا كله ظَاهر من
الْمُصَنّف لكن قدس سره تبع في ذلك غيره وترك الأهم فإن حب الشيء يعمي [ويصم] .
قوله: (أو طائفة منهم) عطف عَلَى قوله الأولون وهذا وجه رابع لأن حاصل كلامه
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أو طائفة منهم عطف عَلَى الأولون أي ويحتمل أن يراد بهم طائفة من الأولين لا كلهم
وهم مؤمنو أهل الْكتَاب عَلَى أن يكون الأولون عامًا شاملا لهم ولكن آمنوا من الشرك فذكرهم ثانيا