فلهذا كان وجه إعجازه، وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن الأصل في وجه الإعجاز أن يكون القرآن متميزا به لا يشاركه فيه غيره، وما ذكرتموه من هذه الخصلة فإنها مشتركة، وبيانه هو أنا نرى بعض من صنف كتابا في العلوم الإسلامية واعتنى في قبصه واختصاره، فإن من بعده لا يزال يجتبى منه الفوائد في كل وقت ويستنبطها من ألفاظه وصرائحه كما نرى ذلك في الكتب الأصولية والكتب الدينية والفقهية، وسائر علوم الإسلام، وإذا كان الأمر كما قلناه وجب الحكم بإعجازها وهم لا يقولون به، وأما ثانيا فلأن قوله تعالى: (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) [سورة البقرة: 163] وقوله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) [سورة محمد: 19] وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) [سورة الإخلاص: 1] صريحة في إثبات الوحدانية لله تعالى بظاهرها وصريحها، وما عدا ذلك من المعاني لا يخلو حاله، إما أن يستقل العقل بدركه أولا يستقل بدركه، فإن استقل بدركه فقد أحاط به كغيره من سائر الكلام، فلا تفرقة بينه وبين غيره، وإن كان لا يستقل العقل بدركه، فذلك هو الأمور الغيبية، وهي باطلة بما أسلفناه على
من قال بها فحصل من مجموع ما ذكرناه ههنا أنه لا وجه لجعل دلالته على الأسرار والمعاني وجها في إعجازه لأن غيره مشارك له في هذه الخصلة، وما وقعت فيه الشركة فلا وجه لاختصاصه وجعله وجها في كونه معجزا.
المذهب السابع قول من زعم أن الوجه في إعجازه هو البلاغة.
وفسر البلاغة باشتماله على وجوه الاستعارة، والتشبيه، والفصل، والوصل، والتقديم، والتأخير، والإضمار، والإظهار، إلى غير ذلك، وهؤلاء إن أرادوا بما ذكروه أنه صار فصيحا بالإضافة إلى ألفاظه، وبليغا بالإضافة إلى معانيه، ومختصا بالنظم الباهر، فهذا جيد لا غبار عليه كما سنوضحه عند ذكر المختار، وإن أرادوا أنه بليغ بالإضافة إلى معانيه دون ألفاظه، فهو خطأ، فإنه صار معجزا باعتبار ألفاظه ومعانيه جميعا، وغالب ظنى أن هذا المذهب يحكى عن أبي عيسى الرمانى.
المذهب الثامن قول من زعم أن الوجه في إعجازه هو النظم.