وأما قوله عليه الصلاة والسلام:"أنا أول الأنبياء خلقاً"فالخلق فيه بمعنى التقدير دون الإيجاد فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن يولد لم يكن مخلوقاً موجوداً ولكن الغايات سابقة في التقدير ولاحقة في الوجود ، وهو معنى قول الحكيم: أول الفكر آخر العمل ، فالدار الكاملة أول الأشياء في حق المهندس مثلاً تقديراً وآخرها وجوداً وما يتقدم على جودها من ضرب اللبن ونحوه وسيلة إليها ومقصود لأجلها ، ولما كان المقصود من فطرة الآدميين إدراكهم لسعادة القرب من الحضرة الإلهية ولم يمكنهم ذلك إلا بتعريف الأنبياء عليهم السلام كانت النبوة مقصودة والمقصود كمالها وغايتها لا أولها وتمهيد أولها وسيلة إلى ذلك وكمالها به صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أولا في التقدير وآخراً في الوجود ، وقوله عليه الصلاة والسلام:"كنت نبياً وآدم بين الماء والطين"إشارة إلى هذا أيضاً وانه لم يشأ سبحانه خلق آدم إلا لينتزع الصافي من ذريته ولم يزل يستصفى تدريجاً إلى أن بلغ كمال الصفاء ، ولا يفهم هذا إلا بأن يعلم أن للدار مثلاً وجودين وجوداً في ذهن المهندس حتى كأنه ينظر إلى صورتها ووجوداً خارج الذهن مسبباً عن الوجود الأول فهو سابق عليه لا محالة.