ذلك هو مثل الحياة الدنيا، التي لا يملك الناس إلا متاعها, حين يرضون بها, ويقفون عندها، ويستغرقون فيها، ويضيِّعون الآخرة، التي هي أكرم وأبقى؛ لينالوا منها بعض المتاع. وهو من أبلغ الأمثال، التي تقوم على التشبيه والقياس.
وننظر قوله تعالى:"إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ"، فنجد فيه لمحة من لمحات الإعجاز البياني .. نجدها في هذا التخالف بين المُمَثَّل، والمُمَثَّل به؛ حيث كان الظاهر أن يقال: إنما مثل الحياة الدنيا؛ كمثل ماء .. وبذلك تحصل المطابقة بين وجهيْ الصورة.
ولكن هذا يخلُّ بمعنى الكلام؛ حيث يقضي أن تكون المماثلة، بين {مثل الحياة الدنيا} ، {ومثل النبات المختلط بنبات الأرض} . وهذا يوجب أن يكون التمثيل بين وجودين علميين ذهنيين. وقد سبق أن ذكرنا أن التمثيل - هنا - هو بين وجودين: الأول: علمي ذهني. والثاني: علمي خارجي. وإذا كان كذلك، فلا يجوز ذكر لفظ {المثل} ، أو تقديره عقب كاف التشبيه.
ويتضح لك ذلك، إذا علمت أن المراد هنا: تشبيه مثل الحياة الدنيا بنبات الأرض في حقيقته، مع ما يصحب هذه الحقيقة من أحوال، من اختلاط بالماء، ثم نماء واخضرار وزهوٍّ، ثم ذبول وهلاك .. ولهذا لم يؤتَ بلفظ المَثل، عقِب كاف التشبيه.
وكان حق كاف التشبيه أن تدخل على النبات، فيقال:"إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. كَنَبَاتِ الأرْضِ اخْتلَطَ بِمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ".
لأن المشبه به - في الحقيقة - هو النبات، لا الماء. والأصل في أداة التشبيه أن يليها المشبه به؛ ولكن خولِف هذا النظم، لفائدة جليلة، وسر بديع؛ وهو تقديم ما هو أهم. والأهم - هنا - هو الماء، بدليل أن الماء من أهم العناصر، التي تدخل في تكوين النبات؛ بل النبات لا يكون نباتًا إلا بوجود الماء فيه؛ ولهذا قدم - هنا - على النبات عناية بذكره واعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج ما بين المشبه، والمشبه به من المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه وأتمه .. فتأمل ذلك!
مثل الحياة الدنيا في القرآن الكريم كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ َاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ