تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ أي هذه آيات القرآن المحكم البين الحكمة، فالقرآن حكيم لاشتماله على الحكمة، والقرآن محكم لخلوه عن الكذب والافتراء والزيادة والنقصان، هذه الآية هي مقدمة هذه السورة، وفيها إشارة إلى الحكمة والإحكام في القرآن، فهو حكيم في اختيار ألفاظه، حكيم في ترتيب كلماته، حكيم في ترتيب آياته في السورة الواحدة، حكيم في ترتيب سوره في المجموعة أو القسم أو فيه كله، حكيم فيما تضمنه من معان وتوجيهات، وتربية وتشريع وتعليم، محكم في هذا كله لا يمكن نقضه، ولا يمكن أن يوجد فيه خلل، فكما أن في هذا الكون حكمة لأنه خلق الله الحكيم، ففي هذا القرآن حكمة لأنه كلام الله الحكيم، وكما أن الحكمة في هذا الكون لا يحيط بها إلا خالقها، فالحكمة في هذا القرآن لا يحيط بها إلا منزل هذا القرآن، وإنما يرى الخلق منها بقدر نور بصائرهم، وإذ كان القرآن حكيما فذلك دليل على أنه من عند الله، وذلك يقتضي من الخلق أن يهتدوا، وهذا هو مضمون السورة التي جاءت الآية الأولى فيها مقدمة لها.
ثم يبدأ المقطع الأول وتعرض الآية الأولى منه عجب الكافرين أن ينزل الله وحيا، ويبعث رسولا مع تعجيبها من هذا العجب فتقول أَكانَ
لِلنَّاسِ عَجَباً الهمزة لإنكار التعجب منه أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ أي إن هذا الرسول واضح السحر.
فوائد:
1 -أنكر الله تعالى في هذه الآية على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر، وذلك دأب الناس من كل رسالة، بما في ذلك رسالة رسولنا صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير: قال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك - أو من أنكر منهم - فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله عزّ وجل: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً قال النسفي: (فقد كانوا يقولون: