وهنا لا بد أن نلتفت إلى الفارق بين"باء"الخلط ، و"باء"السببية فالباء هنا في هذه الآية هي باء السببية ، وبذلك يكون المعنى: فاختلط بسببه نبات الأرض . وأنت ترى بعد سقوط المطر على الأرض أن المياه تغطي الأرض ، ثم تجد بعد ذلك بأيام أو أسابيع ، أن سطح الأرض مغطى بالزروع ، وكلها مختلطة متشابكة ، وكلما تشابكت الزروع مع بعضها فهذا دليل على أن الري موجود والخصوبة في هذه الأرض عالية ، وهذا نتيجة تفاعل الماء مع التربة .
أما إن كانت الأرض غير خصبة ، فأنت تجد نَبْتة في منطقة من الأرض ، وأخرى متباعدة عنها ، وهذا ما يطلق عليه أهل الريف المصري أثناء زراعة الذرة على سبيل المثال:"الذرة تفلس"أي: أن كل عود من أعواد الذرة يتباعد عن الآخر نتيجة عدم خصوبة الأرض .
إذن: فخصوبة الأرض لها أساس هام في الإنبات والماء موجود لإذابة عناصر الغذاء للنبات ، فتنتشر بها جذور النبات .
وإن سمحتْ لك الظروف بزيارة المراكز العلمية للزراعة في"طوكيو"أو"كاليفورنيا"؛ فلسوف ترى أنهم يزرعون النباتات على خيوط رفيعة ؛ تُسقى بالماء الذي يحتوي على عناصر الغذاء اللازمة للإنبات ؛ لأنهم وجدوا أن أي نبات يأخذ من الأرض المواد اللازمة لإنباته بما لا يتجاوز خمسة في المائة من وزنه ، ويأخذ من الهواء خمسة وتسعين في المائة من وزنه .
إذن: فالمطر النازل من السماء خلال الهواء هو الذي يذيب عناصر الأرض ؛ ليمتصها النبات .
والحق سبحانه وتعالى هنا أراد أن يضرب لنا المثل ، والمثل: هو قول شُبِّه مَضْرِبُهُ بِمَوْلِدِه ، أي: شيء نريد أن نمثله بشيء ، ولا بد أن يكون الشيء الممثل به معلوماً ، والشيء ُ المأخوذ كمثلٍ هو الذي نريد أن نوضح صورته ؛ ولذلك لا يصح أن نمثل مجهولاً بمجهول ، وإنما نمثل مجهولاً بمعلوم .