وقال الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت والتبعيد ، كما أن عكس ذلك في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] دليل الرضا والتقريب ، وانتصاب {مخلصين} على الحال: أي لم يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب ، كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء ، وليس هذا لأجل الإيمان بالله وحده ، بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك ، لعلمهم أنه لا ينجيهم سوى الله سبحانه.
وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد ، وأن المضطرّ يجاب دعاؤه وإن كان كافراً.
وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة ، وما يشابهها ، فياعجباً لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات؟ فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ، ولم يخلصوا الدعاء لله ، كما فعله المشركون ، كما تواتر ذلك إلينا تواتراً يحصل به القطع ، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية ، وأين وصل بها أهلها ، وإلى أين رمى بهم الشيطان ، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم؟ حتى انقادوا له انقياداً ما كان يطمع في مثله ، ولا في بعضه ، من عباد الأوثان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، واللام في: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه} هي اللام الموطئة للقسم ، أي قائلين ذلك ، والإشارة: {مِنْ هذه} إلى ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر ، واللام في {لَنَكُونَنَّ} جواب القسم ، أي لنكونن في كل حال ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا ، منها هذه النعمة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا ، وتنجينا منها ؛ وقيل: إنَّ هذه الجملة مفعول {دعوا} .
{فَلَمَّا نَجَّاهُمْ} الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها ، وأجاب دعاءهم ، لم يفوا بما وعدوا من أنفسهم.
بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل الشاكرين ، وجعلوا البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر.