{حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ} [النور: 39] إنه يُفاجَأ بوجود الله سبحانه الذي لم يكن في باله ، فهو واحد من الذين لا يرجون لقاء الله ، وهو ممن جاء فيهم القول:
{وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10]
رغم أن الكون الذي نراه يُحتِّم قضية البعث ؛ لأننا نرى أن لكل شيء دورة ، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد مائيَّتها ، ويضيع منها اللون ، ثم تصير تراباً . وأنت حين تشم الوردة فهذا يعني أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخاراً ، ثم تذبل وتتحلل بعد ذلك .
إذن: فللوردة دورة حياة . وأنت إن نظرت إلى أي عنصر من عناصر الحياة مثل المياه سوف تجد أن الكمية الموجودة من الماء ساعة خلق الله السماوات والأرض هي بعينها ؛ لم تَزِدْ ولم تنقص . وقد شرحنا ذلك من قبل . وكل شيء تنتفع به له دورة ، والدورة تُسلم لدورة أخرى ، وأنت مستفيد بين هذه الدورات ؛ هدماً وبناءً .
والذين لا يرجون لقاء الله ، ولا يؤمنون بالبعث ، ولا بثواب أو عقاب لا يلتفتون إلى الكون الذي يعيشون فيه ؛ لأن النظر في الكون وتأمُّل أحواله يُوجِب عليهم أن يؤمنوا بأنها دورة من الممكن أن تعود .
وسبحانه القائل:
{كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] وهؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله يأتي القرآن بما جاء على ألسنتهم:
ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: 15]
هم هنا يطلبون طلبين: {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ} ، {أَوْ بَدِّلْهُ} .
أي: يطلبون غير القرآن . ولنلحظ أن المتكلم هو الله سبحانه ؛ لذلك فلا تفهم أن القولين متساويان .