فمعنى {من تلقاء نفسي} من جهة نفسي.
وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة: {ما يكون لي أن أبدله} وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف.
وجملة: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} تعليل لجملة: {ما يكون لي أن أبدله} أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير.
و {ما} مصدرية.
واتباع الوحي: تبليغ الحاصل به، وهو الموصى به.
والاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي.
واقتضت (إنْ) النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئاً مخترعاً حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل، وقرينة كونه إضافياً وقوعه جواباً لرد اقتراحهم.
فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه.
وجملة: {إني أخاف إن عصيت ربي} الخ في موضع التعليل لجملة: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ولذلك فصلت عنها.
واقترنت بحرف (إن) للاهتمام، و (إنَّ) تؤذن بالتعليل.
وقوله: {إن عصيت ربي} ، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي.
ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع.
ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا: إلا ما شاء الله، أو نحو ذلك. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 11 صـ}