فإذا مسكم الضر ؛ فلن تجدوا من البيئات الخارجة عنكم ، ولا من ذوات نفوسكم ، ما يغنيكم عن خالقكم ، وفي لحظة الخطر لا تستطيعون الكذب على أنفسكم ؛ فلا تسألون حينئذ أحداً إلا الله سبحانه ، وتتذكرون في تلك اللحظة عهد الذَّر الأول ، وتعودون إليه سبحانه .
وهنا يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} .
وقوله الحق: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} يصوّر الضرّ وكأنه يغطي الإنسان ويلفّه ، فلا منقذ له أبداً ؛ لأن الكشف هو رفع لغطاء يغطي كل الإنسان ، وهكذا يعطينا الله تعالى صورة لاستيعاب الضرّ للجسم كله ؛ حتى وإن كان بأداة من أدوات الإدراك مثل قوله سبحانه: {فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
فكأن الجوع والخوف قد لفّ القرية كلها ، فلم تعُد البطون وحدها هي الجائعة ، بل كل ما في الأجسام جائع وخائف .
وهنا يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ} .
وكلمة {مَرَّ} تفيد أن هنا وقفة ، فحين يقال: إن فلاناً مرّ عليَّ ؛ مقابلها: وقف عندي .
ونفهم من قوله الحق: إن هذا الذي مسهّ الضرّ كان له وقفة عند الله سبحانه ؛ حين لفّه الضرّ ولم يجد معيناً له غير الله تعالى ، أما قبل ذلك فقد كان يأخذ الخير من الله ولا يتذكر الإيمان به سبحانه ، وبعد أن يذهب عنه الضرّ وينسى الإيمان ؛ {كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ} وكأنه قد نسي تذلّله إلى الله ، فهو يمر من مرحلة الذلة والخضوع والدعاء إلى الله إلى مرحلة الاستكبار ، فلم يقف عند من أنقذه من ضره ، وهذه هي الصفاقة .