الثانية - أنه سبحانه قدم جريان الأنهار من تحتهم على جنة النعيم، للمبادرة بذكر المتعة النفسية الروحية، ولبيان أنها تحتهم هم، وذكر بعد ذلك أن هذا في جنات النعيمِ، أي في الجنات التي خصصت للنعيم أو هي النعيم ذاته، وفي قوله تعالى: (يهْدِيهِمْ رَبُّهمْ بِإِيمَانِهِمْ) اقتصرت الهداية على أنها بالإيمان مع أنه ذي الإيمان والعمل الصالح، فلماذا اختص الإيمان بالذكر هنا؛ نقول عن ذلك أمرين: أولهما - أن العمل الصالح ثمرة من ثمرات الإيمان الذي هو النور الهادي والمصباح المضيء فذكر الإيمان استتبع ذكر ما هو أثر له.
ثانيهما - أن الإيمان وحده هو الذي يهدي.
وبعد ذلك ذكر سبحانه نعيم الجنة المادي والنعيم الروحي وهو تسبيح وسلام وحمد لله رب العالمين، فقال تعالى:
(دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)
الدعوى هي مصدر دعا - يدعو، كالشكوى، في شكا - يشكو. والدعوى في الدنيا طلب الحق والطلب من اللَّه تعالى.
ودعاؤهم لله تعالى هو تقديسه وتسبيحه وتنزيهه؛ لأنهم وصلوا إلى أقصى الغايات والمنى فلم يبق إلا أن يسبحوه ويقدسوه وينزهوه، و (اللهم) : هو نداء لفظ الجلالة، أي سبحانك يا إله العالمين ويارب هذا الوجود وخالقه.
(وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) أي أمن ودعة واطمئنان، وهذه التحية تتبادل بينهم بالأمن والسلام والاستقرار وتحية الملائكة المقربين لهم سلام، كما قال تعالى: (. . . وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) ، وتحية من ربهم ورب هذا الوجود كما قال تعالى: (سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رحِيمٍ) .
فحياتهم في الجنة تقديس لله وتنزيه وتحيات مباركة وأمن دائم.
(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي آخر دعائهم حمد اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأن ما سبق نِعَمْ؛ التقديس نعمة والتحيات نعمة وكلاهما يستحق الحمد.
يقول الزمخشري:"أَن"هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن.