هدايتهم الأولى (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) .
فأمرهم جل وتعالى أن يتذكروا ما نسوه مما استقر علمه في جدر قلوبهم.
ثُمَّ قال جل قوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ) لهم يا محمد (أَفَلَا تَتَّقُونَ(87) .
ثم قال عز من قائل: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ) لهم يا محمد: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ(89)
يقول كيف تذهلون عن هذه الحقائق وتؤفكون عن حاصل هذا
العلم؟
ثم قال عز من قائل: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3) . أي:
إلى ما هو مستقر علمه في بواطنكم مركب عنه ظواهركم.
ثم قال جل قوله متوعدًا لمن كفر به، ومبشرا لمن أطاعه ومعلمًا لهم(إِنَّهُ يَبْدَأُ
الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُ)لفصل القضاء وعدل الحكم (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ... (4) .
لما آمن المؤمنون بالدار الآخرة، وعَبَروا من موجودات هذه الدار إلى
موجودات تلك، فعبروا من كواكبها إلى مكوكبها، ومن نور هذه إلى منورها، ومن حق ما هاهنا إلى ما تحقق ذلك في موجودات ما هناك عن الحق المبين بخلع
الأواسط وطرح الأسباب كان إدخاله إياهم الجنة وإعطاؤه إياهم جميع ما هنالك
أعلى قسط وجزاءً وفاقًا ولما أن كان الكافرون به عدوا عن هذا الحق، ونكصوا
عن الإقرار به أبعدهم عن جواره لقولهم: فأدخلهم جهنم التي كانوا يعدون
في نفَسيها ويرجون وهم مع ذلك بوجودها لا يؤمنون، ويتقلبون في فيحها
ويترددون، وهم بحقيقتها لا يشعرون، بل هم إذا أخبروا عنها هم بها كافرون؛
لذلك قال عز من قائل: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(4) .