يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً} بِالنَّهَارِ {وَالْقَمَرَ نُورًا} بِاللَّيْلِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: هُوَ الَّذِي أَضَاءَ الشَّمْسَ وَأَنَارَ الْقَمَرَ، {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ}
يَقُولُ: قَضَاهُ فَسَوَّاهُ مَنَازِلَ لَا يُجَاوِزُهَا، وَلَا يَقْصُرُ دُونَهَا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ أَبَدًا.
وَقَالَ: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} فَوَحَّدَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {وَقَدَّرَهُ} لِلْقَمَرِ خَاصَّةً،
لِأَنَّ بِالْأَهِلَّةِ يُعْرَفُ انْقِضَاءُ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ لَا بِالشَّمْسِ. وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمَنْ جُولِ الطَّوَيِّ رَمَانِي
, وَقَوْلُهُ: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}
يَقُولُ: وَقَدَّرَ ذَلِكَ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ: دُخُولَ مَا يَدْخُلُ مِنْهَا، وَانْقِضَاءَ مَا يُسْتَقْبَلُ مِنْهَا وَحِسَابَهَا، يَقُولُ: وَحِسَابَ أَوْقَاتِ السِّنِينَ وَعَدَدَ أَيَّامِهَا وَحِسَابَ سَاعَاتِ أَيَّامِهَا , {مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَمَنَازِلَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ، يَقُولُ الْحَقُّ تَعَالَى ذِكْرُهُ: خَلَقْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِحَقٍّ وَحْدِي بِغَيْرِ عَوْنٍ وَلَا شَرِيكٍ.
{يُفَصِّلُ الْآيَاتِ}
يَقُولُ: يُبَيِّنُ الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} إِذَا تَدَبَّرُوهَا، حَقِيقَةَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَصِحَّةَ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَلْعِ الْأَنْدَادَ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْأَوْثَانِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) }