يَقُولُ: لِيَجْزِيَهُمْ عَلَى الْحَسَنِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا الْحَسَنَ مِنَ الثَّوَابِ وَالصَّالِحَ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْقِسْطُ. وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ.
وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} فَإِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْعَذَابِ. وَفِيهِ مَعْنَى الْعَطْفُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ مَعَادِ جَمِيعِهِمْ كُفَّارِهِمْ وَمُؤْمِنِيهِمْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ إِعَادَتَهُمْ لِيَجْزِيَ كُلَّ فَرِيقٍ بِمَا عَمِلَ، الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْمُسِيءُ بِالْإِسَاءَةِ. وَلَكَنْ لَمَّا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْخَبَرُ الْمُسْتَأْنَفُ عَمَّا أَعَدَّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الْعَذَابِ مَا يَدُلُّ سَامِعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُرَادِ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ وَالْمَعْنَى الْعَطْفُ، فَقَالَ: وَالَّذِينَ جَحَدُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، لَهُمْ شَرَابٌ فِي جَهَنَّمَ مِنْ حَمِيمٍ، وَذَلِكَ شَرَابٌ قَدْ أُغْلِيَ وَاشْتَدَّ حَرُّهُ حَتَّى أَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَتَسَاقَطُ مِنْ أَحَدِهِمْ حِينَ يُدْنِيهِ مِنْهُ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وَكَمَا وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}
وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ «مَحْمُومٌ» : أَيْ مُسَخَّنٌ، وَكُلُّ مُسَخَّنٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ حَمِيمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُرَقِّشِ:
[البحر البسيط]
فِي كُلِّ يَوْمٍ لَهَا مِقْطَرَةٌ ... فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمْ
يَعْنِي بِالْحَمِيمِ: الْمَاءَ الْمُسَخَّنَ وَقَوْلُهُ: {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ}
يَقُولُ: وَلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ عَذَابٌ مُوجِعٌ سِوَى الشَّرَابِ مِنَ الْحَمِيمِ {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) }