عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ""
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ شَفِيعٌ لَهُمْ، قَدَمَ صِدْقٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُمْ أَعْمَالًا صَالِحَةً عِنْدَ اللَّهِ يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا مِنْهُ الثَّوَابَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَحْكِيُّ عَنِ الْعَرَبِ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ؛ أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدَّمُوا فِيهِ خَيْرًا، فَكَانَ لَهُمْ فِيهِ تَقْدِيمٌ، وَيُقَالُ: لَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ وَقَدَمُ سُوءٍ، وَذَلِكَ مَا قَدَّمَ إِلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
[البحر الطويل]
لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْكَ وَخَلْفُنَا ... لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[البحر الطويل]
لَكُمْ قَدَمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الْحَسَبِ الْعَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى الْبَحْرِ
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ تَقْدُمَةَ خَيْرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} بِمَعْنَى: إِنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ، يَعْنُونَ الْقُرْآنَ «لَسِحْرٌ مُبِينٌ» وَقَرَأَ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: «إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ»
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ نَزَلَ الْمَوْصُوفُ عَلَى صِفَتِهِ، وَصِفَتُهُ عَلَيْهِ، فَالْقَارِئُ مُخَيَّرٌ فِي الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ نَظِيرُ هَذَا الْحَرْفُ: {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} وَ «لَسِحْرٌ مُبِينٌ» وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ، وَوَصْفُهُمْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ أَنَّهُ سِحْرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ وَصَفُوهُ بِالسِّحْرِ.