قال صلى الله عليه وسلّم فيما رواه الضياء عن أنس: «إياك وكل أمر يعتذر منه» .
ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم سيؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة، فقال:
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ... أي إنهم سيحلفون لكم بالله معتذرين، لتعرضوا عنهم،
فلا تعاتبوهم ولا تؤنبوهم على قعودهم مع الخالفين من النساء وأمثالهم.
فأعرضوا عنهم ولا توبخوهم، احتقارا لهم لأنهم رجس أي قذر معنوي، وخبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، لا يقبلون التطهير، وهذا علة الإعراض وترك المعاتبة.
ومأواهم في آخرتهم جهنم، جزاء بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام والخطايا. وهذا من تمام التعليل، وكأنه قال: إنهم أرجاس من أهل النار، لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة.
ثم أعلمنا الله تعالى بأن أيمانهم الكاذبة التي يحلفونها هي مجرد استرضاء لكم، لتستديموا في معاملتهم كأهل الإسلام.
وإنكم إن رضيتم عنهم، فلا ينفعهم رضاكم، إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، بسبب فسقهم، أي خروجهم عن طاعة الله وطاعة رسوله، فليكن همهم إرضاء الله ورسوله، لا إرضاؤكم، كما قال تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ مَعَهُمْ
[النساء 4/ 108] وقال سبحانه: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر 59/ 13] .
وهذا إرشاد إلى منع المؤمنين من الرضا عنهم، والاغترار بأيمانهم الكاذبة، وكفى بالله شهيدا، وكفى بالله عليما ومعلما للمؤمنين طريق الاستقامة والصواب ومواقف الحزم والسداد.
ونظرا لأهمية هذه المعاني أعيدت هنا مرة أخرى، ويكون الكلام شاملا مناهج المنافقين كلهم، سواء كانوا من أهل الحضر وهم من سبق أو من أهل البادية، وهم المقصودون هنا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
1 -عدم تصديق المنافقين في اعتذاراتهم، بعد إعلام الله بحقيقة أمرهم وأخبارهم.
2 -المستقبل خير شاهد وكفيل لإظهار كذب المنافقين.
3 -الله تعالى عالم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في بواطن المنافقين من خبث ومكر ونفاق، وكذب وكيد. وفي هذا تخويف شديد، وزجر عظيم لهم.