أسلم، ولو سبَّ ثم أسلم لم يُقتل، قلنا: الفرق بينهما: أن قتل المسلم يتعلَّق بحق آدمي فلا يُهدَر، وأما السبُّ فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدِّين فيَهدمه الإسلام، والذي يظهر أن ترْك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف، أو لكونهم لم يُعلِنوا به، أو لهما جميعًا، وهو أولى، والله أعلم [13] .
ويلتحق بالسبِّ والشتْم غيرُه مما يَنسب النقص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولخَّص القاضي عياض ذلك بقوله:"اعلم - وفَّقَنا الله وإياك - أن جميع مَن سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عابه، أو ألحَق به نقصًا في نفسه أو نسَبِه أو دِينه أو خصلة مِن خصاله، أو عرَّض به، أو شبَّهه بشيء على طريق السبِّ له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغضِّ منه والعيب له، فهو سابٌّ له، والحُكم فيه حكْم السابِّ يُقتل كما نُبيِّنه، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا يُمترى فيه تصريحًا كان أو تلويحًا، وكذلك مَن لعَنه أو دعا عليه أو تمنَّى مضرَّةً له، أو نسَب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذمِّ، أو عبَث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهُجرٍ ومُنكَر مِن القول وزور، أو عيَّره بشيء مما جرَى من البلاء والمِحنَة عليه، أو غمَصه ببعض العوارِض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كلُّه إجماع من العلماء وأئمة الفتوى مِن لدن الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى هلمَّ جرًّا" [14] .
وهذا الذي ذكره العلماء هو ما فهمه خصوص الصحابة وعمومهم؛ فعن أبي بَرزَة قال:"تغيَّظ أبو بكر على رجل، فقلت: مَن هو يا خليفة رسول الله؟ قال: لِمَ؟ قُلتُ: لأضرب عنقه إن أمرتني بذلك، قال: أفكنتَ فاعِلاً، قلت: نعم، قال: فوالله لأَذهبَ عِظَمُ كلمتي التي قلتُ غضبَه، ثم قال:"ما كان لأحد بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -" [15] ."