فإن عرَّض، فقال الخطَّابي: لا أعلم خلافًا في وجوب قتله إذا كان مُسلمًا، وقال ابن بطال: اختلَف العلماء فيمن سبَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فأما أهل العهد والذمَّة كاليهود، فقال ابن القاسم عن مالك: يُقتَل إلا أن يُسلِم، وأما المسلم فيُقتل بغير استِتابة، ونقَل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمدَ وإسحاق مثله في حقِّ اليهودي ونحوه، ومِن طريق الوليد بن مُسلم عن الأوزاعي ومالك في المُسلم: هي رِدَّة يُستتاب منها، وعن الكوفيِّين: إن كان ذميًّا عُزِّر، وإن كان مُسلمًا فهي رِدَّة، وحكَى عياضٌ خلافًا؛ هل كان ترْك مَن وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلَحة التأليف؟ ونقل عن بعض المالكيَّة أنه إنما لم يَقتُل اليهود في هذه القصة؛ لأنهم لم تقم عليهم البيِّنة بذلك ولا أقرُّوا به؛ فلم يَقضِ فيهم بعِلمه، وقيل: إنهم لما لم يُظهِروه ولوَوه بألسنتهم ترَك قتلهم، وقيل: إنه لم يَحمِل ذلك منهم على السبِّ بل على الدعاء بالموت الذي لا بدَّ منه؛ ولذلك قال في الرد عليهم: (( وعليكم ) )؛ أي: الموت نازل علينا وعليكم؛ فلا معنى للدعاء به، أشار إلى ذلك القاضي عياض وتقدَّمت الإشارة إليه في الاستئذان، وكذا مَن قال: (( السأم ) )بالهمز؛ بمعنى: السآمة، هو دعاء بأن يَملُّوا الدين وليس بصريح في السبِّ، والله أعلم، وعلى القول بوجوب قتل مَن وقع منه ذلك مِن ذمِّي أو مُعاهَد فتُرك لمصلحة التأليف هل يُنتقَض بذلك عهده؟ محل تأمُّل، واحتجَّ الطَّحاوي لأصحابهم بحديث الباب، وأيَّده بأن هذا الكلام لو صدَر مِن مُسلم لكان رِدَّة، وأما صُدوره من اليهود، فالذي هم عليه مِن الكفر أشدُّ منه؛ فلذلك لم يَقتُلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعقب بأن دماءهم لم تُحقَن إلا بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبُّون النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن سبَّه منهم تعدَّ العهد فيُنتقَض، فيصير كافرًا بلا عهد فيُهدَر دمه، إلا أن يُسلم، ويؤيِّده أنه لو كان كل ما يَعتقدونه لا يؤاخَذون به، لكانوا لو قتَلوا مسلمًا لم يُقتلوا؛ لأن مِن مُعتقدهم حلُّ دماء المسلمين، ومع ذلك لو قتَل منهم أحد مسلمًا قُتل، فإن قيل: إنما يُقتَل بالمسلم قصاصًا بدليل أنه يُقتَل به ولو