ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة ، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال ، وتكرير في ، في قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} فيه فضل ترجيح لهذين ، على الرقاب والغارمين . انتهى .
قال الناصر: وَثُمَ سر آخر هو أظهر وأقرب ، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملّاك لما عساه يدفع إليهم ، وإنما يأخذونه ملكاً ، فكان دخول اللام لائقاً بهم ، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم ، بل ولا يصرف إليهم ، ولكن في مصالح تتعلق بهم .
فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون ، فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتى يعبّر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم ، وإنما هم محالّ لهذا الصرف ، والمصلحة المتعلقة به .
وكذلك الغارمون ، إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم ، تخليصاً لذممهم ، لا لهم وأما: {سبيل الله} فواضح فيه ذلك .
وأما: {ابن السبيل} فكأنه كان مندرجاً في
سبيل الله ، وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته ، مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً ، وعطفه على المجرور باللام ممكن ، ولكنه على القريب منه أقرب . والله أعلم .
ثم قال: وكان جدي أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه ، استنبط من تغاير الحرفين المذكورين وجهاً في الاستدلال لمالك ، رحمه الله ، على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك لام الملك ، فيقول: متعلق الجارّ الواقع خبراً عن الصدقات محذوف ، فيتعين تقدير ، فإما أن يكون التقدير: إنما الصدقات مصروفة للفقراء ، كقول مالك ، أو مملوكة للفقراء ، كقول الشافعي ، لكن الأول متعين لأنه تقدير ، يكتفي به في الحرفين جميعاً ، يصح تعلق اللام به وفي معاً ، فيصح أن نقول: هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا ، بخلاف تقديره مملوكة ، فإنه إنما يلتئم مع اللام ، وعند الانتهاء إلى في يحتاج إلى تقدير: مصروفة ليلتئم بها .