المسألة الأولى: اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها ، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم ، ويدل لهذا قوله تعالى: {غَنِمْتُمْ} ، فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم ، ونظير ذلك قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث} [النساء: 11] أي ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعاً ، فكذلك قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} أي وللغانمين ما بقي ، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه ، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر وابن عبد البر ، والداودي والمازري ، والقاضي عياض وابن العربي ، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة ، وخالف في ذلك بعض أهل العلم ، وهو قول كثير من المالكية ، ونقله عنهم المازري - رحمه الله - أيضاً قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين ، ويمنع منها الغزاة الغانمين.
واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} [الأنفال: 1] الآية. قالوا: الأنفال: الغنائم كلها ، والآية محكمة لا منسوخة ، واحتجوا لذلك أيضاً بما وقع في فتح مكة. وقصة حنين قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل ، ومن على أهلها فردها عليهم ، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش ، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجباً: لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة. قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين ، أعطى منها عطايا عظيمة جداً ، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى الله عليه وسلم ، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله: