أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن إلى ذكرها حاجة في هذا المقام ، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب.
الفائدة الثانية: أنه عليه السلام ذكر أولاً قوله: {اعبدوا الله} وثانياً قوله: {مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ} والثاني كالعلة للأول ، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً من الله ، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم ، فإنما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله ، ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي: أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك ؟ وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا.
وحينئذ لا يحسن عبادته ، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطاً للعلم بحسن العبادة.
الفائدة الثالثة: في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو الذي يستحق العبادة لأن قوله: {اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ} إثبات ونفي ، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام ، فكان المعنى أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره ، حتى يتطابق النفي والإثبات ، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة ، وأن لا يكون الإله إلهاً في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود ، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة.
واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} هل هو اليقين ، أو الخوف بمعنى الظن والشك.
قال قوم: المراد منه الجزم واليقين ، لأنه كان جازماً بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين.