وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ لِلْجَسَدِ أَجْزَاءً أَصْلِيَّةً وَأَجْزَاءً فَضْلِيَّةً ، وَالَّذِي يُعَادُ بِعَيْنِهِ هُوَ الْأَصْلِيُّ دُونَ الْفَضْلَةِ ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْأَصْلِيَّ عِبَارَةً عَنْ ذَرَّاتٍ صَغِيرَةٍ كَعَجَبِ الذَّنَبِ الَّذِي وَرَدَ أَنَّهُ كَحَبَّةِ خَرْدَلٍ ، بَلْ جُوِّزَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي وَرَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْدَعَهَا فِي صُلْبِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ بِصُورَةِ الذَّرِّ ، كَمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (172) الْآيَةَ - وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ مَعْنَاهَا وَمَا وَرَدَ فِيهَا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ - وَجَوَّزَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ حُسَيْنُ الْجِسْرُ فِي الرِّسَالَةِ الْحُمَيْدِيَّةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الذَّرُّ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ لِتَنَاهِي صِغَرِهِ كَالْأَحْيَاءِ الْمِجْهَرِيَّةِ أَيِ الَّتِي لَا تُرَى إِلَّا بِالْمِنْظَارِ الْمُسَمَّى بِالْمِجْهَرِ (الميكروسكوب) .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْتِزَامَ الْقَوْمِ بِوُجُوبِ حَشْرِ الْأَجْسَادِ الَّتِي كَانَتْ لِكُلِّ حَيٍّ بِأَعْيَانِهَا لِأَجْلِ وُقُوعِ الْجَزَاءِ عَلَيْهَا غَيْرُ لَازِمٍ لِتَحْقِيقِ الْعَدْلِ ، فَجَمِيعُ قُضَاةِ الْعَالَمِ الْمَدَنِيِّ فِي هَذَا الْعَصْرِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَبْدَانَ الْبَشَرِ تَتَجَدَّدُ فِي سِنِينَ قَلِيلَةٍ وَلَا يُوجَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ