وقد ردّ الله ذلك عليهم بقوله لرسوله: {قل إن الله لا يأمرنا بالفحشاء} فَأعْرَضَ عن ردّ قولهم: {وجدنا عليها آباءنا} لأنّه إن كان يراد ردّه من جهة التّكذيب فهم غير كاذبين في قولهم ، لأنّ آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش ، وإن كان يراد ردّه من جهة عدم صلاحيته للحجّة فإنّ ذلك ظاهر ، لأنّ الإنكار والنّهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم ، إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل ، فصار ردّ هذه المقدّمة من دليلهم بديهياً وكان أهمّ منه ردّ المقدّمة الكبرى ، وهي مناط الاستدلال ، أعني قولهم: {والله أمرنا بها} .
فقوله: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} نقض لدعواهم أنّ الله أمَرهم بها أي بتلك الفواحش ، وهو ردّ عليهم ، وتعليم لهم ، وإفاقة لهم من غرورهم ، لأنّ الله متّصف بالكمَال فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه ، فكون الفعل فاحشة كاف في الدّلالة على أنّ الله لا يأمر به لأنّ الله له الكمال الأعلى ، وما كان اعتذارهم بأنّ الله أمر بذلك إلاّ عن جهل ، ولذلك وبَّخهم الله بالاستفهام التّوبيخي بقوله: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} أي ما لا تعلمون أنّ اللهأمر به ، فحُذف المفعول لدلالة ما تقدّم عليه ، لأنّهم لم يعلموا أنّ الله أمرهم بذلك إذ لا مستند لهم فيه ، وإنّما قالوه عن مجرّد التّوهّم ، ولأنّهم لم يعلموا أنّ الله لا يليق بجلاله وكماله أن يأمر بمثل تلك الرّذائل.
وضمن: {تقولون} معنى تكذيون أو معنى تتقَوّلون ، فلذلك عُدّي بعَلى ، وكان حقّه أن يعدى بعَنْ لو كان قولاً صحيح النّسبة ، وإذ كان التّوبيخ وارداً على أن يقولوا على الله ما لا يعلمون كان القول على الله بما يُتحقّق عدمُ وروده من الله أحرى.