روي عن قتادة أنه قال في تفسير الآية: إنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحيثما كان، والكافر ولي الكافر من أين كان وحيثما كان، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولعمري لو عملت بطاعة الله، ولم تعرف أهل طاعة الله .. ما ضرك ذلك، ولو عملت بمعصية الله وتوليت أهل طاعة الله .. ما نفعك ذلك شيئا، انتهى. وروى أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: {وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم، انتهى. ذاك أن الملوك يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالة تصرف الرعاة في الأنعام السائمة، فهم يتخذون الوزراء والحاشية من أمثالهم، فيقلدوهم وهم جمهور الأمة في سيء أعمالهم، فيغلب الفساد على الصلاح، ويفسقون عن أمر الله فيهلكون، أو يسلط عليهم الأمم القوية التي تستبيح حماهم، وتشل عروشهم ويصبحون مستعبدين أذلاء بعد أن كانوا سادة أعزاء، كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (16) } . أما الأمم العالمة بسنن الاجتماع التي أمرها شورى بين زعمائها وأهل الرأي فيها، فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاؤون، بل يكونون تحت مراقبة أولي الأمر فيها، وقد وضع الإسلام هذا الدستور، فجعل أمر الأمة بين أهل الحل والعقد، وأمر الرسول بالمشاورة وسار على هذا النهج، وجعلت الولاية العامة - الخلافة - بالانتخاب.
واقتفى الخلفاء الراشدون خطواته، وجروا على سنته، فقال الخليفة الأول أبو بكر - رضي الله عنه - في أول خطبة له: أما بعد: فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني. وقال الخليفة الثاني على المنبر: من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه. وقال الخليفة الثالث على المنبر أيام الفتنة: أمري لأمركم تبع. وقوله: {الظَّالِمِينَ} يشمل الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس من الحكام وغيرهم؛ إذ كل من هؤلاء وأولئك يتولى من يشاكله في أخلاقه وأعماله، وينصره على من يخالفه.