الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَمَّا هُوَ قَائِلٌ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَادِلِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا الْأَوْثَانَ، وَلِقُرَنَائِهِمْ مِنَ الْجِنِّ، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَمَّا هُوَ كَائِنٌ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَمَّا كَانَ لِتَقَدُّمِ الْكَلَامِ قَبْلَهُ بِمَعْنَاهُ وَالْمُرَادِ مِنْهُ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنِّ مِنَ الْإِنْسِ الَّذِينَ قَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ عَنْهُمْ: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ}
يَعْنِي: نَارُ جَهَنَّمَ مَثْوَاكُمُ الَّذِي تَثْوُونَ فِيهِ: أَيْ تُقِيمُونَ فِيهِ. وَالْمَثْوَى: هُوَ الْمَفْعَلُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَوَى فُلَانٌ بِمَكَانِ كَذَا، إِذَا أَقَامَ فِيهِ.
{خَالِدِينَ فِيهَا}
يَقُولُ: لَابِثِينَ فِيهَا، {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}
يَعْنِي: إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ قَدْرِ مُدَّةٍ مَا بَيْنَ مَبْعَثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى مَصِيرِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَتِلْكَ الْمُدَّةُ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا اللَّهُ مِنْ خُلُودِهِمْ فِي النَّارِ.
{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} فِي تَدْبِيرِهِ فِي خَلْقِهِ، وَفِي تَصْرِيفِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِ.
{عَلِيمٌ} بِعَوَاقِبِ تَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ، وَمَا إِلَيْهِ صَائِرٌ أَمْرُهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَمْرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي مَبْلَغِ عَذَابِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَشِيئَتِهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ آيَةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى اللَّهِ فِي خَلْقِهِ أَنْ لَا يُنْزِلَهُمْ جَنَّةً وَلَا نَارًا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) }
اخْتَلَفُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ {نُوَلِّي} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: نَجْعَلُ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ وَلِيًّا عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ