وقال أيضا:
هذا الوجود الذي بالعرف نعرفه ... ليس الوجود الذي بالكشف نعلمه
العقل يجهله والفكر ينكره ... والذكر يظهره والسرّ يكتمه
هو الإله ولا تدري مظاهره ... بأنه عينها والحقّ يبهمه
على العقول التي العادات تحجبها ... لذاك تنكر ما الأسرار تفهمه
إلا على واحد من كل طائفة ... فإنّ ربك بالتعريف يكرمه
يا ربّ غفرا وعفوا إنني رجل ... من يطلب الأمر مني لست أعلمه
إلا بأمرك إن العبد ليس له ... تصرّف دون أمر مني لست أعلمه
وهبتني كرما سرّا فبحت به ... ولم يكن أدبا ما قاله فمه
عتبت عبدك فيه ثم قمت به ... عنه لتحفظه إذ أنت تلهمه
محوته من صدور أنت تعرفها ... بسنة أو نعاس فاحتمى دمه
ما كنت أعلم أن الأمر فيه كذا ... عند الإله وأن العتب يلزمه
لولا محبته فينا لعذبنا ... ولا يهان من الرحمن مكرمه
إنّ الذي شاء ربي أن أدخره ... أريد أعربه والحال يعجمه
إلا على قلب من قد شاء خالقنا ... يدري به فلسان الوقت يبرمه
كالتونسيّ ومن يجري بحلبته ... من القلوب التي تعطى وتكتمه
أعطيت كلّ محل ما يليق به ... وقلت فيه مقالا لا أجمجمه
يقول للقول كن حتى يكون به ... من بعد ذلك يأتيه يندّمه
لو لم يكوّنه لم تظهر حقيقته ... لكنه العلم بالمعلوم يحكمه
يقضى عليه به فالحقّ بايعه ... لكنه بحدوث العين يوهمه
وقال أيضا:
إني لأجهل ذات من علمي بها ... عين الجهالة فالعليم الجاهل
فإذا طلبت بحار معرفتي بها ... جاءت بحار ما لهن سواحل
ما يشغل الألباب إلا ذاتها ... فلقلبنا في الذات شغل شاغل
الكشف الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية.
الحال: ما يرد على القلب من طرب أو حزن أو بسط أو قبض.
الجمجمة: التحدث بكلام غير مفهوم.
بحر بلا ساحل يعني أن الحال الذي خصه الله تعالى به من التعظيم لله وخالص الذكر له والانقطاع إليه، لا نهاية لها ولا انقطاع.