فاتت نفوسهم ، والفوت عندهم ... في شاهد جمعوا فيه عن البشر
وجمعهم عن نعوت الرّسم محوهم ... عمّا يؤثّره التّلوين في الغير
والعين حال تلاشت في قديمهم ... عن شاهد الجمع إضمارا بلا صور
حتّى توافى لهم في الفرق ما عطفت ... عليهم من علوم الوقت في الحضر
فالجمع غيبتهم والفرق حضرتهم ... والوجد والفقد في هذين بالنّظر
[من البسيط]
أنت المولّه لي لا الذّكر ولّهني ... حاشا لقلبي أن يعلق به ذكري ...
الذّكر واسطة تخفيك عن نطري ... إذا توشّحه من خاطري فكري
قوله: «فاتت نفوسهم» أي رأوها حين الوجود، كما كانوا إذ هم فقود، لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا، ولا يتغير علم الله فيهم.
و «جمعهم» هو أن يمحوهم عن نعوت الرسم، وهي أفعالهم وأوصافهم، في أنها لا تؤثر أثر تلوين وتغيير، بل تكون على ما علم الله عزّ وجل وقدر وحكم، فتلاشت حالهم حين وجودهم في قديم العلم إذ كانوا معدمين لا موجودين مصورين وإذا أوجدهم أجرى عليهم ما سبق لهم منه.
فالجمع: أن يغيبوا عن حضورهم، وشهودهم إياهم متصرفين.
و «الفرق» : أن يشهدوا أحوالهم وأفعالهم.
و «الوجد والفقد» : حالتان متغايرتان لهم لا للحق تعالى.
قال أبو سعيد الخراز: معنى الجمع: أنه أوجدهم نفسه في أنفسهم، بل أعدمهم وجودهم لأنفسهم عند وجودهم له.
البحر:
ورد البيتان في التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص ، وقدم لهما بقوله: أنشدونا لبعض الكبار. وعلق على البيتين بعد إنشادهما بقوله: معناه الذكر صفة الذاكر، فإن غبت في ذكري كانت غيبتي في، وإنما يحجب العبد عن مشاهدة مولاه أوصافه.
وقال د. بسيوني في نشأة التصوف ص: ويعتبر الحلاج الذكر واسطة تحجب، وألّا فضل في إحداث التوله إلا لله.
حقيقة الذكر أن تنسى ما سوى المذكور في الذكر، وقيل: الذكر طرد الغفلة، فإذا ارتفعت الغفلة فأنت ذاكر وإن سكت. التعرف للكلاباذي ص .