البحر:
وقال إبراهيم بن فاتك: دخلت يوما على الحلّاج في بيت له على غفلة منه فرأيته قائما على هامة رأسه، وهو يقول: يا من لازمني في خلدي قربا، وباعدني بعد القدم من الحديث غيبا. تتجلّى عليّ حتى ظننتك الكلّ، وتسلب عنّي حتى أشهد بنفيك. فلا بعدك يبقي، ولا قربك ينفع، ولا حربك يغني، ولا سلمك يؤمن.
فلمّا أحسّ بي قعد مستويا، وقال: ادخل ولا عليك، فدخلت وجلست بين يديه، فإذا عيناه كشعلتي نار. ثم قال: يا بنيّ، إنّ بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر وبعضهم يشهدون لي بالولاية، والذين يشهدون عليّ بالكفر أحبّ إليّ وإلى الله من الذين يقرّون لي بالولاية.
فقلت: يا شيخ ولم ذلك؟ فقال: لأنّ الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنّهم بي. والذين يشهدون عليّ بالكفر تعصّبا لدينهم، ومن تعصّب لدينه أحبّ إلى الله ممّن أحسن الظنّ بأحد. ثم قال لي: وكيف أنت يا إبراهيم حين تراني وقد صلبت وقتلت وأحرقت، وذلك أسعد يوم من أيّام عمري جميعه. ثم قال لي: لا تجلس، واخرج في أمان الله.
البحر:
وعن الشيخ إبراهيم بن عمران النيليّ أنه قال: سمعت الحلّاج يقول:
النقطة أصل كلّ خطّ، والخطّ كلّه نقط مجتمعة. فلا غنى للخطّ عن النقطة، ولا للنقطة عن الخطّ. وكلّ خطّ مستقيم أو منحرف فهو متحرّك عن النقطة بعينها.
وكلّ ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحقّ من كلّ ما يشاهد وترائيه عن كلّ ما يعاين. ومن هذا قلت: ما رأيت شيئا إلّا ورأيت الله فيه.
البحر:
وعن ابن الحدّاد المصريّ قال: خرجت في ليلة مقمرة إلى قبر أحمد بن حنبل، رحمه الله، فرأيت هناك من بعيد رجلا قائما مستقبلا القبلة. فدنوت منه من
غير أن يعلم، فإذا هو الحسين بن منصور وهو يبكي ويقول: يا من أسكرني بحبّه، وحيّرني في ميادين قربه، أنت المنفرد بالقدم، والمتوحّد بالقيام على مقعد الصدق، قيامك بالعدل لا بالاعتدال، وبعدك بالعزل لا بالاعتزال، وحضورك بالعالم لا بالانتقال، وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتحال. فلا شيء فوقك فيظلّك، ولا شيء تحتك فيقلّك، ولا أمامك شيء فيجدك، ولا وراءك شيء فيدركك. أسألك بحرمة هذه التّرب المقبولة والمراتب المسؤولة، أن لا تردّني إليّ بعد ما اختطفتني منّي، ولا تريني نفسي بعد ما حجبتها عنّي، وأكثر أعدائي في بلادك، والقائمين لقتلي من عبادك.