يروى عن عبد الله بن طاهر الأزديّ أنه قال: كنت أخاصم يهوديّا في سوق بغداد وجرى على لفظي أن قلت له: يا كلب. فمرّ بي الحسين بن منصور ونظر إليّ شزرا، وقال: لا تنبح كلبك، وذهب سريعا. فلمّا فرغت من المخاصمة، قصدته، فدخلت عليه، فأعرض عنّي بوجهه. فاعتذرت إليه فرضي، ثم قال: يا بنيّ، الأديان كلّها لله عزّ وجلّ، شغل بكلّ دين طائفة لا اختيارا فيهم بل اختيارا عليهم. فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه، وهذا مذهب القدريّة و «القدريّة مجوس هذه الأمّة» .
واعلم أنّ اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغيّر ولا يختلف. ثم قال:
[من الطويل]
تفكّرت في الأديان جدّ محقّق ... فألفيتها أصلا له شعب جمّا
فلا تطلبن للمرء دينا، فإنّه ... يصدّ عن الأصل الوثيق، وإنّما
يطالبه أصل يعبّر عنده ... جميع المعالي والمعاني فيفهما
قارن مع القطعتين السابقتين برقم ، .
يقول د. بسيوني في نشأة التصوف ص: النبوات كلها أسماء لحقيقة واحدة وفروع لأصل واحد، ولكل طائفة دينها، لا اختيارا منهم بل اختيارا عليهم، وإن من لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه وذلك هو مذهب القدرية. وما اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان إلّا ألقاب مختلفة وأسام متغيرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف. والحلاج يهز أعصاب رجال التدين، وبخاصة من تعصب منهم وتزمّت، وذلك لأنه يعلن في صراحة وعنف وأنشد الأبيات.